فهرس الكتاب
أنا لم أرافقك في جميع الوقت، فيمكن أنك قد استدنت منه في وقت لم أكن معك فيه، ومن ثم أعفي عن المطالبة بالبينة والشهادة في هذه المسألة بخصوصها لتعذر إقامة البينة على النفي، فيبقى ما عداه من النفي على الأصل في المطالبة بإثبات دعوى النفي بواسطة الدليل.
ويمكن أن يجاب بجواب آخر وهو أن المدعى عليه له يد مستولية على العين المدعاة فهذه اليد تعتبر بمثابة الدليل والبينة، ولذلك لم نطالبه بإحضار الشهود.
وبذلك يظهر أن النافي يطالب بالدليل كالمثبت سواء كان في الشرعيات أو في العقليات، ومن هنا نعلم أنه لابد في كل دعوى من بينة، وأن من ادعى دعوى بدون أن يكون له دليل فإن دعواه غير مقبولة، ولا تسمع منه هذه الدعوى ولا يستجاب له فيما يدعيه.
الأُصُولُ الْمُخْتَلَفُ فِيهَا أَرْبَعَةٌ:
أَحَدُهَا: شَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا ـ مَا لَمْ يَرِدْ نَسْخُهُ ـ شَرْعٌ لَنَا فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، اخْتَارَهُ التَّمِيمِيُّ وَالْحَنَفِيَّةُ.
* قوله: الأصول: المراد بها الأدلة، وتقدم معنا الأدلة المتفق عليها هي أربعة أدلة: الكتاب، والسنة، والإجماع، والاستصحاب.
والآن سنأتي في ذكر الأدلة المختلف فيها، وهي: شرع من قبلنا، وقول الصحابي، والاستحسان، والمصالح المرسلة.
وذكر المؤلف الاستصحاب من الأدلة المتفق عليها، لأن أهل العلم جميعًا يقولون بحجية الاستصحاب ولو في بعض أنواعه، ولم يخالف في ذلك أحد، ولم يذكر المؤلف القياس في الأدلة المتفق عليها، لأنه يرى أن القياس ليس دليلًا مستقلًا، وإنما هو طريقة من طرق فهم الأدلة، فهو بمثابة المفاهيم وأنواع الدلالات، وذلك لأن القياس لا يمكن أن يستقل بنفسه، بل لابد له من أصل ثابت بدليل آخر، ولذلك ذكره المؤلف ابن قدامة في الأصل بعد طرق دلالات الألفاظ والمفاهيم، وتبعه صاحب المختصر هنا، وإن كان المختصر