الصفحة 628 من 917

هنا قد قدم الدلالات والمفاهيم، بعد الكتاب والسنة.

وقد ذكر المؤلف من الأدلة المختلف فيها أربعة أدلة، وهناك أدلة أخرى لها وزنها ويستدل بها أهل العلم كثيرًا، ومن أشهر هذه الأدلة دليل: سد الذرائع، حيث لم يذكره المؤلف تبعًا لابن قدامة، و إن كان فقهاء الحنابلة يرون أن سد الذرائع دليل صحيح بشروطه التي يذكرونها في كتبهم الأصولية.

أول الأدلة المختلف فيها التي ذكرها المؤلف: شرع من قبلنا، والمراد بذلك

وَالثَّانِي: لَا، وَلِلشَّافِعِيَّةِ كَالْقَوْلَيْنِ.

شرائع الأنبياء السابقين لنبينا - صلى الله عليه وسلم -، هل يجب علينا أن نعمل بشرائعهم، وهل شرائعهم حجة تعتبر من أدلة الشريعة، يصح الاستدلال بها أو لا؟

وقبل أن ندخل في هذه المسألة لابد أن نحرر محل النزاع، فنقول: شرع من قبلنا على نوعين:

النوع الأول: ما ورد بطريقهم، فهذا لا يحتج به بالاتفاق، وذلك لأنهم قد حرفوا كتبهم السماوية، فقد أخبر الله عز وجل عنهم في مواطن أنهم يحرفون الكلم عن مواضعه [1] ، ومن هنا لا يصح الاستدلال بشرائع الأنبياء السابقين المنقولة بطريقهم وبواسطتهم.

النوع الثاني: شرع من قبلنا المنقول في شرعنا، أي الوارد في الكتاب والسنة، وهذا النوع على ثلاثة أقسام:

القسم الأول: ما ورد شرعنا بحكم مماثل لشرعهم، فحينئذ يكون شرعهم شرع لنا لأن شريعتنا قد وردت به، ومن أمثلة ذلك قول الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة:183] .

القسم الثاني: شرع من قبلنا الوارد في شرعنا الذي ورد شرعنا بنسخه، وهذا ليس بحجة لأنه منسوخ، ومن أمثلة ذلك قول النبي - صلى الله عليه وسلم: «أحلت لي الغنائم، ولم تحل لأحد قبلي» [2] فيكون شرعهم منسوخًا.

الْمُثْبَتُ: {إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ} [المائدة:44] الْآيَةَ، وَدِلَالَتُهَا مِنْ وَجْهَيْنِ: {فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ} [الأنعام:90] ، {اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ} [النحل:123] ، {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا} [الشورى:13] ، وَقَالَ - صلى الله عليه وسلم: «كِتَابُ الله الْقِصَاصُ» [3] وَلَيْسَ فِي الْقُرْآنِ: (السِّنُّ بِالسِّنِّ) إِلَّا مَا حُكِيَ فِيهِ عَنِ التَّوْرَاةِ، وَرَاجَعَ - صلى الله عليه وسلم - التَّوْرَاةَ فِي رَجْمِ الزَّانِيَيْنِ، وَاسْتَدَلَّ بِـ {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي} [طه:14] عَلَى قَضَاءِ الْمَنْسِيَّةِ عِنْدَ ذِكْرِهَا.

وَأُجِيبُ: بِأَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْآيَاتِ: التَّوْحِيدُ وَالْأُصُولُ الْكُلِّيَّةُ، وَهِيَ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ الشَّرَائِعِ، وَ «كِتَابُ الله الْقِصَاصُ» إِشَارَةٌ إِلَى عُمُومِ: {فَمَنِ اعْتَدَى} [البقرة:178] ، أَوِ (وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ) عَلَى قِرَاءَةِ الرَّفْعِ وَمُرَاجَعَتُهُ التَّوْرَاةَ تَحْقِيْقًا لِكَذِبِهِمْ وَإِنَّمَا حَكَمَ بِالْقُرْآنِ، {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي} [طه:14] قِيَاسٌ أَوْ تَأْكِيدٌ لِدَلِيلِهِ بِهِ، أَوْ عَلِمَ عُمُومَهُ لَهُ، لَا حُكْمٌ بِشَرْعِ مُوسَى.

القسم الثالث: شرع من قبلنا الوارد في شرعنا الذي لم يرد شرعنا بنسخه ولا بتأكيده ولا بموافقته، فهذا هو موطن النزاع والخلاف.

وقد اختلف أهل العلم في هذا الموطن على قولين:

القول الأول: أن شرع من قبلنا شرع لنا، واستدل أصحاب هذا

(1) كما في قوله تعالى: {مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ} [النساء:46] . وقوله: {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ} [المائدة:13] .

(2) أخرجه البخاري (335) ومسلم (521) .

(3) أخرجه البخاري (2703) ومسلم (1675) باختلاف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت