فهرس الكتاب
وَعَلَى أَنَّ الْحُسْنَ وَالْقُبْحَ ذَاتِيَّانِ، أَوْ بِصِفَةٍ، وَهُمَا مَمْنُوعَانِ
* قوله: وعلى أن الحسن والقبح ذاتيان: هذه مسألة التحسين والتقبيح، هل الحسن والقبح ناتج من العقول أم هو من ذوات الأشياء، أو ناتج من الشرع؟
فيه ثلاثة أقوال:
القول الأول: قول الأشاعرة، يقولون: الشيء لا يكون حسنًا ولا قبيحًا إلا بأمر الشارع، وقبل ورود أوامر الشارع لا يوجد حسن ولا قبح، أي قبل ورود الشرع لا نقول: الكذب قبيح، أو نقول: القتل سيء، فإن هذه الأشياء لم تصبح سيئة، إلا بعد نزول الشرع، قالوا: والدليل قوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء:15] .
القول الثاني: قول المعتزلة يقولون: حسن الأشياء وقبحها ثابت قبل ورود الشريعة لأن العقول قد أثبتت ذلك، وحينئذ فالعقوبة مترتبة على الحسن والقبح ولو لم يرد شرع.
القول الثالث: قول أهل السنة، يقولون: الحسن والقبح صفات ذاتية في الأشياء، فالصدق حسن، والكذب قبيح، قبل وجود الشرائع، وقبل وجود العقول، ولكن رب العالمين لا يعاقب إلا بعد نزول الشرائع، ويدل على هذا ما ورد من النصوص من وصف الطيبات بأنها مباحة مثل قوله جل وعلا: {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} [الأعراف:157] فإن الأشاعرة يقولون: معنى الآية"يحل لهم الحلال"هذا معناه عندهم. وحينئذ يكون ليس في الآية معنى جديد ويكون المبتدأ هو الخبر، وكذلك في قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ} [المائدة:4] يقول الآشاعرة: يحل لكم الحلال.
بَلْ ذَلِكَ شَرْعِيٌّ، فَلِلشَّرْعِ فِعْلُ مَا شَاءَ مِنْ تَخْصِيصٍ وَإِبْهَامٍ، قَالُوا: عَلِمَ مَا أَوْجَبَ، وَمَا يَفْعَلُ الْمُكَلَّفُ، فَكَانَ وَاجِبًا مُعَيَّنًا.