الصفحة 825 من 917

والقول الثالث: أن من كان حاضرًا فإنه لا يجوز له أن يجتهد، ومن كان غائبًا اجتهد.

وعكس آخرون فقالوا: الحاضر يجوز له أن يجتهد لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - إما أن يقره وإما أن يبين له خطأ الاجتهاد في هذه المسائل.

استدل الجمهور على جواز الاجتهاد من الصحابة في عصر النبوة بأحاديث عديدة منها حديث معاذ، لما أرسله النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى اليمن قال: أجتهد رأيي، ومنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أوكل إلى سعد بن معاذ أن يحكم في بني قريظة، وكان ذلك بحضرة النبي - صلى الله عليه وسلم - فحكم فيهم بحكم الله، بقتل مقاتلتهم وسبي ذراريهم، والواقعة الثالثة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أذن لعمرو بن العاص - رضي الله عنه - في الاجتهاد فقال: «إن اجتهدت فأصبت فلك أجران» وفي لفظ: «عشرة أجور، وإن أخطأت فلك أجر واحد» ، ومثله ورد من حديث عقبة ابن عامر - رضي الله عنه -.

وقوله: ورجلين من الصحابة: المراد بهما عقبة، وعمرو رضي الله عنهما، وعطف الرجلين عليهما في كلام المؤلف وهم منه رحمه الله.

واستدل الجمهور على صحة الاجتهاد من الصحابة بأنه لا يوجد فيه محال ولا يستلزم المحال، فالعقل يدل على جوازه.

أما القائلون بعدم جواز اجتهاد الصحابة فقالوا: الصحابة يمكن أن يراجعوا النبي - صلى الله عليه وسلم - فيأخذوا منه الوحي، فكيف يقول لهم: اتركوا اليقين واعملوا بالظن.

وَالْيَمِينِ مَعَ إِمْكَانِ الْوَحْيِ فِي كُلِّ وَاقِعَةٍ بِالْحَقِّ الْجَازِمِ فِيهَا.

وأجيب عن هذا بأن هذه المسائل وكون الشرع يتعبد الصحابة بالاجتهاد مع إمكانية رجوعهم إلى القطع، يمكن أن يكون لهم مصلحة وفائدة قد نطلع عليها وقد لا نطلع.

ثم إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد اعتمد على الاجتهاد في وقائع كثيرة مع إمكان نزول الوحي، فحكم بشاهدين مع إمكانية أن يقول: أنا لا أعتمد على قول الشهود، لأن قول الشاهدين لا يفيد اليقين، ويمكن

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت