فهرس الكتاب
والقول الثاني: أن العقل لا يدل على كون النبي - صلى الله عليه وسلم - متعبدًا بالاجتهاد، لأن العقل يمنع النبي - صلى الله عليه وسلم - من الاجتهاد واستدلوا على ذلك بأمور:
الأول: أن الاجتهاد عرضة للخطأ وعرضة للصواب، فلا يجيز العقل الاجتهاد مع القدرة على مراجعة الوحي؛ ولكن هذا ليس فيه دلالة واضحة في المسألة، لأن الشريعة قد وردت بالتعبد بالظن، والنبي - صلى الله عليه وسلم - قد أجاز له الشارع الاجتهاد ورتب عليه الأجر والثواب، ولذلك لا مانع أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - متعبدًا بالاجتهاد، ويعصم الله اجتهاده من الخطأ أو يمكن أن يرد الاستدراك على اجتهاده بنزول الوحي. هذا كله في مسألة الجواز العقلي.
أَمَّا وُقُوعُهُ فَاخْتَلَفَ فِيهِ أَصْحَابُنَا وَالشَّافِعِيَّةُ، وَأَنْكَرَهُ أَكْثَرُ الْمُتَكَلِّمِينَ.
لَنَا: (اعْتَبِرُوا) وَهُوَ عَامٌّ، فَيَجِبُ الِامْتِثَالُ، وَعُوتِبَ فِي أُسَارَى بَدْرٍ وَالْإِذْنِ لِلْمُخَلَّفِينَ، وَلَوْ كَانَ نَصًّا لَمَا عُوتِبَ، وَقَالَ: «إِلَّا الْإِذْخِرَ» [1] وَ «لَوْ قُلْتُ: نَعَمْ. لَوَجَبَتْ» [2] وَ «لَوْ سَمِعْتُ شِعْرَهَا لَمَا قَتَلْتُهُ» [3] ، وَقَالَ لَهُ السَّعْدَانِ [4] وَالْحُبَابُ [5] : إِنْ كَانَ هَذَا بِوَحْيٍ فَسَمْعٌ وَطَاعَةٌ، وَإِنْ كَانَ بِاجْتِهَادٍ فَلَيْسَ هَذَا هُوَ الرَّأْيَ، فَقَالَ: «بَلْ بِاجْتِهَادٍ وَرَأْيٍ رَأَيْتُهُ» وَرَجَعَ إِلَى قَوْلِهِمْ.
وَقَدْ حَكَمَ دَاوُدُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِاجْتِهَادِهِ وَإِلَّا لَمَا خَالَفَهُ سُلَيْمَانُ، وَإِلَّا لَمَا خُصَّ بِالتَّفْهِيمِ.
(1) أخرجه البخاري (1587) ومسلم (1353) .
(2) أخرجه البخاري (7288) ومسلم (1337) .
(3) أخرجه ابن عبد البر في الاستيعاب (4/ 1905) وذكره ابن حجر في الإصابة (8/ 79) .
(4) أي سعد بن عبادة وسعد بن معاذ رضي الله عنهما عندما استشارهما النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يعطي عيينة بن حصن الفزاري نصف ثمر المدينة على أن يخذل بين الأحزاب، كما عند عبد الرزاق في المصنف (5/ 367) وابن سعد في الطبقات (2/ 73) .
(5) أي الحباب بن المنذر - رضي الله عنه - في قصة نزولهم ببدر، كما في الإصابة (2/ 10) .