فهرس الكتاب
قَالُوا: مَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، وَلَوِ اجْتَهَدَ لَنُقِلَ وَاسْتَفَاضَ، وَلَمَا انْتَظَرَ الْوَحْيَ، وَلَاخْتَلَفَ اجْتِهَادُهُ، فَكَانَ يُتَّهَمُ.
المسألة الثانية: هل وقع من النبي - صلى الله عليه وسلم - اجتهاد في زمن النبوة أو لا؟
أكثر المتكلمين يقولون: لم يقع اجتهاد من النبي - صلى الله عليه وسلم - واستدلوا عليه بعدد من النصوص منها قوله تعالى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 3 ـ 4] فدل هذا على أن أحكام النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما تثبت بالوحي لا بالاجتهاد.
الدليل الثاني لهم: قالوا: لو اجتهد النبي - صلى الله عليه وسلم - لنقل واستفاض، لكننا
قُلْنَا: الْحُكْمُ عَنْ الِاجْتِهَادِ لَيْسَ عَنِ الْهَوَى، لِاعْتِمَادِهِ عَلَى إِذْنٍ وَدَلِيلٍ، وَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ الْوُقُوعِ النَّقْلُ، فَضْلًا عَنِ الِاسْتِفَاضَةِ، ثُمَّ مَا ذَكَرْنَا مُشْتَهِرٌ، وَانْتِظَارُ الْوَحْيِ عِنْدَ التَّعَارُضِ وَاسْتِبْهَامِ وَجْهِ الْحَقِّ وَالتُّهْمَةِ لَا تَأْثِيرَ لَهَا، إِذْ قَدِ اتُّهِمَ فِي النَّسْخِ وَلَمْ يُبْطِلْهُ، وَلَا يَتْرُكُ حَقًّا لِبَاطِلٍ، ثُمَّ الِاجْتِهَادُ مَنْصِبُ كَمَالٍ لِشَحْذِهِ الْقَرِيحَةَ، وَحُصُولِ ثَوَابِهِ، فَهُوَ - صلى الله عليه وسلم - أَوْلَى النَّاسِ بِهِ.
نجده - صلى الله عليه وسلم - كان ينتظر الوحي.
وأجيب عن الاستدلال بقوله تعالى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى} بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - إما أن يتكلم بالحكم الشرعي، وإما أن يكون متكلمًا بفهمه واستنباطه واجتهاده من الوحي فكلاهما عائد للوحي.
وأجيب بأنه لا يلزم من كونه قد اجتهد أن ينقل أنه اجتهد، وإنما يكفي نقل حكمه وقد نقل اجتهاده - صلى الله عليه وسلم - في وقائع كثيرة كما سيأتي، كما أجيب أن النبي - صلى الله عليه وسلم - في بعض الوقائع انتظر الوحي، وبعض الوقائع اجتهد فيها.