فهرس الكتاب
نقول: هنا عندنا مسألتان:
المسألة الأولى: متعلقة بالفتيا، فنقول: إذا لم يترجح لدى هذا المجتهد شي فيجب عليه أن يتوقف.
المسألة الثانية: في العمل، ماذا يفعل؟
هذا اختلف أهل العلم فيه على ثلاثة أقوال القول:
القول الأول: أن المجتهد الذي تعارضت عنده الأدلة وعجز عن الترجيح بينها يتخير بين الأقوال، واختاره طائفة من أهل العلم.
القول الثاني: أنه يحتاط، فيعمل بالأحوط ليبرئ ذمته بيقين.
القول الثالث: أنه يقلد عالمًا آخر لأنه أصبح في هذه المسألة بمثابة العامي؛ وهذا القول هو أرجح وأقوى الأقوال في المسألة.
لَنَا: إِعْمَالُهُمَا جَمْعًا بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ، وَإِعْمَالُ أَحَدِهِمَا مِنْ غَيْرِ مُرَجِّحٍ تَحَكُّمٌ، فَتَعَيَّنَ التَّوَقُّفُ عَلَى ظُهُورِ الْمُرَجِّحِ.
قَالُوا: التَّوَقُّفُ لَا إِلَى غَايَةٍ تَعْطِيلٌ، وَرُبَّمَا لَمْ يَقْبَلِ الْحُكْمُ التَّأْخِيرَ، وَإِلَى غَايَةٍ مَجْهُولَةٍ مُمْتَنِعٌ، وَمَعْلُومَةٍ لَا يُمْكِنُ؛ إِذْ ظُهُورُ الْمُرَجِّحِ لَيْسَ إِلَيْهِ، فَتَعَيَّنَ التَّخْيِيرُ، وَقَدْ وَرَدَ الشَّرْعُ بِهِ، كَتَخْيِيرِ الْمُزَكِّي بَيْنَ أَرْبَعِ حِقَاقٍ أَوْ خَمْسِ بَنَاتٍ لَبُونٍ عَنْ مِائَتَيْنِ، وَتَخَيُّرِ الْعَامِّيِّ أَحَدَ الْمُجْتَهِدِينَ، أَوْ أَحَدَ جُدْرَانِ الْكَعْبَةِ، وَفِي خِصَالِ الْكَفَّارَةِ، وَنَحْوِهَا.
قُلْنَا: يَتَوَقَّفُ حَتَّى يَظْهَرَ الْمُرَجِّحُ، وَلَا اسْتِحَالَةَ، كَمَا يَتَوَقَّفُ إِذَا لَمْ يَجِدْ دَلِيلًا ابْتِدَاءً، أَوْ كَتَعَارُضِ الْبَيِّنَتَيْنِ.
وبهذا تعلم أن الأقوال التي ذكرها المؤلف في المسألة ليست متواردة على محل واحد، لأن قول القائل بالتوقف هذا فيما يتعلق بإفتائه لغيره، والقول بالتخيير فيما يتعلق بعمله لنفسه.
قال المؤلف: لنا إعمالهما: يعني الدليلين المتعارضين، وهذا يعتبر جمعًا بين النقيضين، لأن أحدهما يقول بالجواز، والآخر يقول بالتحريم.
قال: وإعمال أحد هما من غير مرجح تحكم: لأنه ترجيح لأحد