الصفحة 841 من 917

لأنه لو كان عندنا دليلان أحدهما يدل على التحريم والآخر يدل على الوجوب فقمنا بالتخيير بينهم فإننا حينئذ كأننا أتينا بقول ثالث وهو الجواز، وهو أننا يجوز أن نأخذ بالأول ويجوز أن نأخذ بالثاني لأن هذا هو معنى التخيير فيكون إحداثا لقول جديد وتركا لموجب الدليلين السابقين.

الدليل الثاني لمن قال بالتخيير: قالوا لأنه قد ورد التخيير في مواطن عديدة من الشرع فلنلحق هذه المسألة بتلك المواطن, ومن تلك المواطن أن من كان عنده مائتان من الإبل فإنه يخير بين إخراج أربع حقاق، أو إخراج خمس بنات لبون لأن في كل خمسين حقة، وفي كل أربعين بنت لبون، إذا بلغت مائتان خير بين أربع حقاق أو خمس بنات لبون, قالوا: وكذلك إذا حدثت للعامي حادثه فإن الشرع يخيره بين المجتهدين فيقال: اختر أحد المجتهدين فاستفته، وكذلك في مكة يخير الإنسان بين جدران الكعبة لاستقباله في الصلاة، وهكذا أيضًا في خصال كفارة اليمين يخير الإنسان بين خصال ثلاث: إما إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة، قالوا: فلنلحق هذه المسألة بتلك المسائل ونثبت فيها التخيير.

وأجيب عن هذا بأن التخيير في هذه الصور المذكورة لم نثبته إلا بورود دليل يدل على أن الشرع خير المكلف بين هذه الخصال، ومن ثم مسألتنا مسألة تعارض الدليلين لم يرد فيها دليل بالتخيير فلا يصح أن نلحق هذه المسألة بتلك المسائل لأنه لم يرد فيها دليل بالتخيير.

وبذلك يتبين لنا من هذه المسألة أن الصواب فيها أنه إذا تعارض الدليلان ولم يتمكن المجتهد من الترجيح فإنه يتوقف في الفتيا، أما في العمل فإنه يقلد غيره أو يحتاط.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت