فهرس الكتاب
الْخَامِسَةُ: لَيْسَ لِلْمُجْتَهِدِ أَنْ يَقُولَ فِي مَسْأَلَةٍ قَوْلَيْنِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَفَعَلَهُ الشَّافِعِيُّ فِي مَوَاضِعَ.
مِنْهَا: قَوْلُهُ فِي الْمُسْتَرْسِلِ مِنَ اللِّحْيَةِ قَوْلَانِ: وُجُوبُ الْغَسْلِ، وَعَدَمُهُ.
لَنَا: إِنْ كَانَا فَاسِدَيْنِ وَعَلِمَ، فَالْقَوْلُ بِهِمَا حَرَامٌ، فَلَا قَوْلَ أَصْلًا؛ أَوْ أَحَدُهُمَا كَذَلِكَ فَلَا قَوْلَيْنِ، أَوْ صَحِيحَيْنِ فَالْقَوْلُ بِهِمَا مُحَالٌ لِاسْتِلْزَامِهِمَا تَضَادَّ الْكُلِّيِّ وَالْجُزْئِيِّ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمِ الْفَاسِدَ فَلَيْسَ عَالِمًا بِحُكْمِ الْمَسْأَلَةِ، فَلَا قَوْلَ لَهُ فِيهَا، فَيَلْزَمُهُ التَّوَقُّفُ، أَوِ التَّخْيِيرُ، وَهُوَ قَوْلٌ وَاحِدٌ لَا قَوْلَيْنِ.
هذه المسألة ابتداؤها أصلًا من علماء الحنفية يريدون أن يشنعوا على مذهب الشافعية وأن يزهدوا الناس فيه، فقال الحنفية: في مذهب الشافعية تناقض وذلك لأن الإمام الشافعي قال في سبعة عشر مسألة: فيها قولان، فهذا تناقض من الإمام الشافعي ومن أمثلة ذلك مسألة: ما يسترسل من اللحية ما حكمه؟
قال الشافعي: فيها قولان: وجوب الغسل، وعدمه.
وقال الحنفية هذا مذهب متناقض متضارب كيف يختار قولين في وقت واحد، لأنه إذا كان القولان فاسدين لم يصح أن يأخذ بهما ما دام يعلم أن القولين فاسدان، إذ يحرم أن يقول الإنسان بقول فاسد فلا يكون بقول أصلًا، وإما أن يعلم أن أحد القولين فاسد والآخر صحيح ومن ثم فلابد أن يبين الصحيح ولا يجوز أن يقول: فيها قولان، أو يظن أن القولين جميعًا هما قولان صحيحان فحينئذ لا يصح أن يقول بالقولين لتضادهما أحدهم يقول بالوجوب والآخر يقول بالتحريم، فإذا لم يكن عالما الفاسد من القولين وكان جاهلًا أي القولين هو الصحيح وأي القولين فاسدا، فإنه يعد جاهلًا وليس عالمًا في هذه
وَأَحْسَنُ مَا يُعْتَذَرُ بِهِ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ تَعَارَضَ عِنْدَهُ الدَّلِيلَانِ، فَقَالَ بِمُقْتَضَاهُمَا عَلَى شَرِيطَةِ التَّرْجِيحِ، وَمَا حُكِيَ عَنْهُ وَعَنْ غَيْرِهِ مِنَ الْقَوْلَيْنِ وَالرِّوَايَتَيْنِ فَفِي وَقْتَيْنِ،