فهرس الكتاب
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ:
إِذَا مَاتَ فِي أَثْنَاءِ الْمُوَسَّعِ، قَبْلَ فِعْلِهِ وَضِيقِ وَقْتِهِ، لَمْ يَمُتْ عَاصِيًا، لِأَنَّهُ فَعَلَ مُبَاحًا، وَهُوَ التَّأْخِيرُ الْجَائِزُ، لَا يُقَالُ: إِنَّمَا جَازَ بِشَرْطِ سَلَامَةِ الْعَاقِبَةِ، لِأَنَّا نَقُولُ: ذَلِكَ غَيْبٌ، فَلَيْسَ إِلَيْنَا، وَإِنَّمَا الشَّرْطُ، الْعَزْمُ وَالتَّأْخِيرُ إِلَى وَقْتٍ يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ الْبَقَاءُ إِلَيْهِ، فَلَوْ أَخَّرَهُ مَعَ ظَنِّ الْمَوْتِ قَبْلَ الْفِعْلِ، عَصَى اتِّفَاقًا،
* قوله: إذا مات في أثناء الواجب الموسع: الواجب الموسع يكون الوقت فيه ممكنًا لأداء الواجب ويفضل بقية من الوقت، مثل صلاة الظهر لو قدر أنه أخر صلاة الظهر بدل أن يصليها في أول الوقت قال: سأصليها في أثناء الوقت فمات، كما لو جرى له حادث وتوفي قبل أداء الصلاة، هل يعد آثمًا عاصيًا؟
نقول: لا يكون عاصيًا؛ لأنه يجوز له التأخير لآخر الوقت وحينئذٍ يكون قد فعل أمرًا مباحًا وهو التأخير الذي يجوز له، فحينئذٍ لا يقال بأنه آثم أو عاص.
فإن قال قائل: لا يجوز لمن كان كذلك أن يؤخر إلا إذا كانت هناك معرفة بأنه سيبقى إلى آخر الوقت.
* قوله: لا يقال: إنما جاز بشرط سلامة العاقبة: أي لا يقال: إنما جاز تأخير الواجب الموسع إلى آخر الوقت بشرط أنه يعلم أنه سيبقى إلى آخر الوقت، لأننا نقول: كونه يعلم أنه سيبقى إلى آخر الوقت هذا غير مستطاع بالنسبة له، لأن بقاءه إلى آخر الوقت هذا من الأمور الغيبية التي يختص بها الله عز وجل فليس إلينا معرفة هل سيبقى إلى آخر الوقت أم لا يبقى، وإنما يشترط أن يجزم المكلف ويعزم على فعل الواجب في أثناء الوقت وألا يؤخر إلا إلى وقت يغلب على ظنه أنه سيبقى فيه.
* قوله: فلو أخره مع ظن الموت قبل الفعل عصى: هذه مسألة ثانية
فَلَوْ لَمْ يَمُتْ، ثُمَّ فَعَلَهُ فِي وَقْتِهِ، فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ أَدَاءٌ لِوُقُوعِهِ فِي وَقْتِهِ،
وهي: لو كان المكلف يظن أنه لن يبقى إلى آخر الوقت، فهل يجوز له تأخير الواجب الموسع إلى آخر الوقت، مثل إنسان محكوم عليه بالقتل قصاصًا، وقيل له: سنأخذك الساعة الواحدة والنصف بعد الظهر لتنفيذ حكم القتل فيك، فحينئذٍ إذا دخل عليه وقت الظهر يجب عليه أن يصلى.
هل يجوز له أن يؤخر إلى ما بعد الواحدة والنصف؟
هنا المكلف أخر الواجب وهو صلاة الظهر مع ظنه أنه سيموت قبل أن يتمكن من فعل صلاة الظهر فحينئذٍ يكون عاصيًا بالاتفاق؛ لأنه يغلب على ظنه أنه لن يبقى إلى آخر الوقت، وهذا ينافى واجب العزم على الصلاة في أثناء الوقت.
* قوله: فلو لم يمت ثم فعله ...:أي لو قدر أنه لو حكم على شخص بالقتل وسيجري التنفيذ الساعة الواحدة ظهرًا ولم يفعل الصلاة قبل الواحدة ثم عفا عنه أولياء الدم وتركوه، فقال: الآن اطمأن قلبي، فصلى. هل تعد الصلاة في حقه أداء أم قضاء؟
والأداء هو فعل العبادة في وقتها. مثال الأداء: إنسان صلى العشاء معنا في المسجد ونحن نفعلها في الوقت فإن فعل هذه الصلاة يعتبر أداء.
والقضاء: فعل العبادة بعد وقتها. مثال القضاء: إنسان نام عن صلاة العشاء ولم يستيقظ إلا بعد أذان الفجر فصلى العشاء، فهذه الصلاة تعتبر قضاءً.
هذا الإنسان الذي حكم عليه بالموت وسينفذ فيه حكم القصاص الساعة الواحدة والنصف فأخر صلاة الظهر إلى ما بعد الواحدة والنصف فعفى عنه
وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ [1] :هُوَ قَضَاءٌ؛ لِأَنَّهُ تَضَيَّقَ عَلَيْهِ بِمُقْتَضَى ظَنِّهِ
(1) القاضي أبو بكر محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر ابن الباقلاني، فقيه مالكي أصولي أشعري، توفي سنة 403 هـ، من مؤلفاته: إعجاز القرآن، والتمهيد في الرد على الملاحدة والرافضة والخوارج، والتقريب والإرشاد.
ينظر: تاريخ بغداد (5/ 379) تبيين كذب المفتري ص (217) سير أعلام النبلاء (17/ 190) الديباج المذهب (2/ 228) .