فهرس الكتاب
ثُمَّ هُنَا مَسْأَلَتَانِ:
إِحْدَاهُمَا: أَنْ الْعَامِّيَّ يُقَلِّدُ مَنْ عَلِمَ أَوْ ظَنَّ أَهْلِيَّتَهُ لِلِاجْتِهَادِ بِطَرِيقٍ مَا، دُونَ مَنْ عَرَفَهُ بِالْجَهْلِ اِتِفَاقًا فِيهِمَا.
المسألة الأولى: كيف يعرف العامي العالم الذي يجوز له أن يقلده؟
نقول: من يستفتيه العامي على ثلاثة أحوال:
الحال الأول: إن علم العامي أن ذلك المستفتى من أهل الاجتهاد، وأنه أهل فهذا يجوز له أن يقلده.
ويعرف أنه عالم بأمور:
الأمر الأول: برجوع العلماء إليه، فمن رجع العلماء إليه فإنه عالم يصح أن يرجع إليه.
الأمر الثاني: بدلالة علماء الشريعة عليه، كما لو جاءنا عالم وقال: ارجع إلى فلان، سل فلانًا في مسألتك فحينئذ يعرف العامي أن ذلك الشخص المحال إليه أنه من أهل الاجتهاد وأنه يجوز له سؤاله.
الأمر الثالث: إذا كان ذلك الشخص يفتي بمحضر العلماء ولا ينكرون عليه فهذا يدل على أنه من أهل الاجتهاد، لكن لو لم يكن بمحضر من العلماء، كما لو كان يفتي في قناة من قنوات الرجس والدعارة، فحينئذ لا يكون هذا طريقًا لمعرفة أهليته للاجتهاد والفتيا.
الحال الثاني ممن يستفتيه العامي: الجاهل الذي يعلم العامي أنه جاهل، والجاهل لا يجوز للعامي أن يستفتيه، بلا إشكال بالإجماع لأن الله تعالى قال: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل:43] ولم يقل: اسألوا أهل الجهل، بل قال: أهل اذكر.
أَمَّا مَنْ جَهِلَ حَالَهُ فَلَا يُقَلِّدُهُ أَيْضًا، خِلَافًا لِقَوْمٍ.
لَنَا: غَالِبُ النَّاسِ غَيْرُ مُجْتَهِدٍ، فَاحْتِمَالُ الْأَهْلِيَّةِ مَرْجُوحٌ، وَلِأَنَّ مَنْ وَجَبَ قَبُولُ قَوْلِهِ، وَجَبَ مَعْرِفَةُ حَالِهِ، كَالنَّبِيِّ بِالْمُعْجِزِ، وَالشَّاهِدِ وَالرَّاوِي بِالتَّعْدِيلِ.