فهرس الكتاب
الظن فإنه مقدم على ما هو أضعف منه.
وحكي عن ابن الباقلاني أنه ينكر الترجيح ومبنى إنكاره أنه يقول: إن الظنيات على درجة واحدة وليس بينها تفاوت؛ وهذا قول نعلم سقوطه وبطلانه، لأننا نجد في أنفسنا أن الظنيات يترجح بعضها على بعضها الآخر، واستدل على قوله هذا بأن البينات مثل شهادة الشهود ليس فيها ترجيح، لو جاء رجلان متخاصمان هذا أتى باثنين من الشهود، وهذا أتى باثنين، فلا يقال: هؤلاء أرجح من هؤلاء، ولا نعمل في الشهود بالترجيح، وإنما نعمل بالنظر في من هو المدعي ومن هو المدعى عليه، فيعمل بشهود المدعي دون المدعى عليه.
قال: فإذا لم يكن في البينات ترجيح فكذلك في الأدلة لا يوجد فيها ترجيح؛ وهذا القول قول خاطئ لأمور:
الأمر الأول: أن العقلاء يفهمون أن العمل بالأرجح متعين.
الأمر الثاني: أن الصحابة قد عملوا بالأرجح وقدموه على المرجوح.
الأمر الثالث: أن تفاوت الظنيات في الرتبة يعلمه كل إنسان ويجده في نفسه.
وَقَدْ عَمِلَ الصَّحَابَةُ بِالتَّرْجِيحِ، وَالْتِزَامُهُ فِي الْبَيِّنَاتِ مُتَّجِهٌ، ثُمَّ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ بَابَ الشَّهَادَةِ مَشُوبٌ بِالتَّعَبُّدِ، وَلِهَذَا لَوْ أَبْدَلَ لَفْظَ الشَّهَادَةِ بِلَفْظِ الْإِخْبَارِ لَمْ تُقْبَلْ، وَلَا تُقْبَلْ شَهَادَةُ جَمْعٍ مِنَ النِّسَاءِ وَإِنْ كَثُرْنَ عَلَى بَاقَةِ بَقْلٍ بِدُونِ رَجُلٍ، بِخِلَافِ الْأَدِلَّةِ.
الأمر الرابع: أن كثيرًا من أهل العلم قال: البينات يجري فها الترجيح ويقدم الأفضل من الشهود والأعدل على غيره.
ولو سلمنا أن البينات لا ترجيح فيها فهناك فرق بين البابين، باب الأدلة وباب الشهود، فالشهادة فيها تعبد محض بينما الدليل يعمل فيه العلماء اجتهادهم، والدليل صادر من الله تعالى, ولذلك