وكلما ابتدع القضاة اتهامًا يرده خالد إلى نحورهم حتى يرسم لهم صورة عن قريته كفر قاسم. ويريهم كيف احتجز الجنود اليهود مجموعة فلاحين عائدين إلى بيوتهم. يطلبون منهم الاتجاه نحو جدار ويطلقون عليهم النار ببساطة كأنهم يصطادون سربًا من عصافير ساكنة.
وفي الفصل الثالث تنعقد المحكمة. لتوجه لناصر نفس الأسئلة المدروسة والمخططة وفق الرؤية الغربية لقضية فلسطين. حاملة نفس التشويه السياسي والفكري والتاريخي لتلك القضية. والتي يفندها ناصر كمواطن مطرود من وطنه معبَّأ بنفس القهر الذي تعبأ به رفقاؤه المناضلون. وعندما تلح هيئة القضاة على إلصاق صفة الإرهاب به. ينقل المحكمة إلى حي قديم في يافا.... ليفرد صفحة من صفحات الإرهاب الذي اتصفت به العنصرية اليهودية. ويُطلع المحكمة على حادثة شنق لمواطن فلسطيني كان يحمل طلقة مسدس فارغة. ثم تتدافع الأوراق من ذاكرة ناصر لنشاهد فيها أصلًا من فصول الاحتلال والقمع بعد التهيؤ الاستعماري والتواطؤ العالمي مع العناصر اليهودية المجتمعة من بقاع الدنيا.
وإذا وصلنا إلى نهاية المسرحية نكون قد اطلعنا وعبر المناضلين الماثلين أمام المحكمة الألمانية على زيف الأساطير اليهودية المفتعلة. وكيف استغل الإعلام الثانية لتثبيت أقدامهم في فلسطين. ولاستجداء عطف أوروبا وأميركا المهيأ أصلًا لمواكبة الاحتلال.
ولعل المناضلين المحاكمين فردوا كل الأوراق التي لملمها روجيه غارودي فيما بعد ليؤلف منها كتبه المعروفة عن زيف الدعوة اليهودية.
هذا هو الإطار الذي صيغت ضمنه فصول المسرحية. التي نراها عملًا فنيًا ملتزمًا لا يقل عن الأعمال المسرحية العالمية التي تلتزم خطًا فكريًا في عصر التحلل من الالتزام.
الدكتور خالد محيي الدين البرادعي
المشهد الأول
"في مدينة ميونيخ:
قاعة فسيحة الأرجاء. عالية الجدران. على السقوف رسوم هندسية عتيقة. تتصدر القاعة منصّة تشبه خشبة المسرح. تتوسطها منضدة عالية مستطيلة الشكل.
يجلس إليها ثلاثة قضاة كهول. عن يمينهم محامي الدفاع، وعن شمال النائب العام. الفدائيون الأربعة في قفص على الجانب الأيمن، غير بعيد من المنصة. جمهور النظارة، من الجنسين، ومن أعمار مختلفة يملأ القاعة في مواجهة المنصة".
القاضي…: (بعد أن يسود الصمت، يتحدث بصوت جهوري عبر ميكروفون)