…تقوم هذه المحكمة، أيها السيدات والسادة، بمهمة محاكمة عدد من الإرهابيين قاموا بأعمال إجرامية فوق الأراضي الألمانية. منتهكين بذلك سيادتها ومتسببّين في الإخلال بالأمن فضلًا عن إحراج حكومتنا تجاه دولة صديقة. ومما يزيد هذه الجريمة بشاعة قيام الجناة بها إبّان دورة الألعاب الأولمبية، تجاه رياضيين أبرياء، ينتمون إلى تلك الدولة الصديقة. نأمل مساعدتكم لنا في مهمتنا بالتزام الصمت واتبّاع النظام.
… (يصمت قليلًا، ثم يتوجه ببصره وخطابه إلى من في القفص، عقب إلقاء نظرة على أوراق أمامه)
…من منكم هو نضال.. نضال ياسين؟
نضال…: (شاب أسمر. في منتصف العقد الثالث من العمر. حاد النظرات صارم القسمات)
…أنا نضال.. نضال ياسين..
القاضي…: قل لي كيف وصلت إلى ميونيخ أيها السيد؟
نضال…: ليس مهمًا كيف وصلت.. المهم أنني وصلت..
القاضي…: عليك أن تجيب بالتحديد على الأسئلة الموجهة إليك.. هاه.. كيف أتيت إلى ميونيخ؟ ومتى..؟
نضال…: ألا ترى يا سيادة القاضي، أنك أخيرًا سوف تخرج بالنتيجة ذاتها. ألا وهي أنني وصلت ميونيخ.. وهذا هو المهم.. فما أهمية كيف ومتى؟؟
القاضي…: من ذا الذي يسأل أيها السيد.. أنا أم أنت؟
نضال…: حسنًا.. لنقل بالسيارة.. أو سيرًا على الأقدام.. أو..
القاضي…: (متأففًا، ولكن كمن يحاول أن يتحلى بالصبر)
…كم من الزمن استغرقت الرحلة؟
نضال…: (يصمت برهة.. تشرد نظراته بعيدًا.. ثم يحدّق فيمن على المنصة)
…استغرقت الرحلة، يا سادة، عمري كله..
… (ينظر أعضاء هيئة المحكمة بعضهم إلى بعض في دهشة. كذلك يفعل النائب العام، ومعظم النظارة في القاعة)
القاضي…: هل تسخر منّا أيها السيّد؟
نضال…: أبدًا.. هذه هي الحقيقة.. وإن شئت الدقة.. فهي ربع قرن من الزمان.. !
القاضي…: (مشيرًا بكلتا يديه تعبيرًا عن استهزائه)
…لو لم تكن سوى سلحفاة لوصلت في ربع هذه المدة..!
… (ضحك مكتوم في القاعة. وابتهاج على وجه النائب العام)
نضال…: ما ذنبي إذن، إذا كنتم تصرّون على ألا تعرفوا الحقيقة؟
القاضي…: ما دمت حريصًا على قول الحقيقة. قل لنا من هم بقية أفراد العصابة.
نضال…: هم مناضلون.. وليسوا عصابة..
القاضي…: (بسخرية) لعلهم ملائكة إذن..!
نضال…: هم بشر وحسب. هم أصحاب وطن يطالبون به ويعملون من أجل استعادته.
القاضي…: حسنًا.. حسنًا.. قل لي من هم وحسب.. أسماؤهم.. أعدادهم..
نضال…: هم شعب بلادي بأسره..