…أرجو أن تلاحظ محكمتكم الموقرة أن النيابة العامة تحاول تضليلها. كما أنها، هذه النيابة العامة تفعل تمامًا ما اتهمت موكلي، افتراء بفعله. فهي التي عمدت، في الواقع، إلى اتخاذ منبر المحكمة وسيلة لبث دعاية صهيونية مضللة. وذلك واضح تمامًا في طرحها لمفاهيم مغلوطة، لا أساس لها من الصحة، ولا سند لها من الواقع والحقيقة. كقولها بأن موكلي يتحدث عن شعب لا وجود له. فإذا كان هذا صحيحًا فمن تحاكمون إذن، ولمن ينتمي هذا الكائن الواقف أمامكم ورفاقه؟ هل هبط علينا من كوكب المريخ أو عطارد. أم تراه جاء من العدم، خلافًا لنظرية (لافوازيه) . وإذا لم يكن شعب فلسطين موجودًا، فكيف أمكن أن نكون في هذا المكان، وأن تكون هذه المحكمة والأسباب المنعقدة من أجلها قائمة..؟ وأما (كدر) الملايين أيها السادة، وأما (السعادة) التي قطعت على أصحاب (السعادة) فتلك أمور لا شأن لهذه المحكمة ببحثها، ولا للنيابة العامة حق التعرض لها. وإذا كان لا بد من الخوض في أمور كهذه، فلنقل بأن (سعادة) تلك الملايين التي قطعت للحظات يقابلها (شقاء) متصل لملايين أخرى تعيش مأساة رهيبة منذ سنين عديدة. وإذا كانت الملايين السعيدة لا تأبه لشقاء الملايين التعيسة، فكيف يتأتى لنا أن نطالب هذه الأخيرة بدورها، أن تأبه لسعادة غيرها..؟ لماذا يجب أن يهمها ذلك؟ ألا ترون أنها معادلة صعبة؟ وإذا كنتم، أيها السادة بحاجة إلى شواهد من وسط (حضاري) لا تملكون إنكار قيمته الحضارية، لأنه أحد معالمها فذلك هو المؤرخ "تويبني" الذي يقول بأن على كل فرد غربي أن يكون مستعدًا لدفع قطرات من دمه، تكفيرًا عما لحق بالفلسطينين من غبن وأذى، لأنه -ذلك الغربي- ينتمي إلى الأمم التي أسهمت في صنع مأساتهم. وهو لم يصنع شيئًا ولو برفع صوته استنكارًا.
…أجل أيها السادة. إن أولئك الذين استهجنوا أن تقطع عليهم متعتهم للحظات، هم أنفسهم الذين تجاهلوا شقاء أولئك دهرًا بطوله، ناهيكم عمن أسهم في صنعه من بينهم.
… (يتريث قليلًا فيبادره القاضي:)
القاضي…: هل قلتم كل ما عندكم؟