فهرس الكتاب

الصفحة 357 من 483

نضال…: (يتنهد عميقًا ويستأنف حديثه) كنت مختبئًا فوق الشجرة أرقب ما يحدث متجمدًا تمامًا في مكاني.. لا أجرؤ على البكاء أو الحركة.. تصوروا ابن السادسة يشهد بعينيه هذا الذي حدثتكم عنه. وليد الصغير كان رفيقي في المدرسة. لعبنا ظهيرة اليوم السابق معًا، وأولاد مثلنا تحت الشجرة ذاتها أولًا ثم في الساحة أمام منزلنا. المرأة كانت أم وليد جارتنا صديقة أمي. حتى شقيقتي نسيتها في تلك الأثناء . صدقوني أني حتى هذه اللحظة لا أعلم ماذا حلّ بها.. كذلك أمي.. وكذلك سائر أهل قريتي. كان ذلك آخر عهدي بهم جميعًا. وعلمت فيما بعد كما علم الناس تفاصيل ما جرى.. بقية القصة. النساء اللواتي جررن في الشوارع.. ثم جردن من ملابسهن ليعرضن في أزقة القرية أمام متفرجين من يهود المستعمرات القريبة.. ثم ألقي بهنّ واحدة واحدة، وهن على قيد الحياة في بئر القرية.. قصة الرجال الذين صُفّوا على الجدران لينهال عليهم الرصاص فيبادوا. وآخرون قطعت أوصالهم وتركوا ينزفون حتى الموت.

القاضي…: (صائحًا) كفى.. كفى..

النائب العام…: … (ينتهز الفرصة فيهب واقفًا ليقول بلهجة تحريضية) .

…هل يعقل أن يحدث هذا، أيها السادة؟ إن هذا الشاب، رغم أنه عربي، يتمتع بمخيلة خصبة.. ألا ترون أنه قاص بارع؟ لقد روى لكم حكاية من صنع خياله. أرى أنها أثرت في مشاعر بعضكم النبيلة. ولو كان هذا الذي قاله صحيحًا لما فاتني أن أتأثر مثلكم أيضًا.

…ولكن هل يعقل أن يصدر هذا عن أناس متحضرين مثل الإسرائيليين..؟

القاضي…: لا أعتقد ذلك..!

النائب العام…: تلك الدولة هي واحة الديمقراطية في تلك المنطقة..

محامي الدفاع…: أستميح سيادة القاضي عذرًا لأقول بأن حكام (واحة الديمقراطية) اليوم هم أنفسهم مجرموا الحرب الذين قاموا بالأعمال التي عرض موكلي جزءًا منها فقط. ذلك الجزء الذي عاشه هو شخصيًا.. فما بالك بما لاقاه شعب بأكمله وهذا الموكل ليس سوى واحد من أبنائه. هؤلاء، للأسف الشديد، أضحوا الآن وبمقاييس عالم اليوم قادة وزعماء تقام لهم الاحتفالات وعروض الشرف في حلهِّم وترحالهم، يحظون بمظاهر التكريم والحفاوة، في حين كان ينبغي أن يحاكموا وأن يلقوا القصاص العادل جرّاء ما اقترفت أيديهم.

النائب العام…: (محتجًا بانفعال) ولكن هذا الذي يدعيه محامي المتهم لا يعترف به أحد. وهذه الدولة (إسرائيل) تحظى اليوم بالاحترام والنفوذ في كل مكان من العالم المتحضر..!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت