الصفحة 11 من 28

أما مقصود هذه الولاية فمقصود ولاية المحتسب سواء عُين من قبل ولي الأمر أو لم يعين هو إقامة شرع الله في الأرض وتطهيرها من الفساد؛ لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا هي السفلى.

وهذا المقصود في الحقيقة هو مقصود كل ولاية في الإسلام، وكل الفرق بين ولاية وولاية أخرى إنما هو في سعتها ومتعلقاتها، يعني الأصل الولايات كلها في الإسلام هي منسجمة مع بعضها البعض ومتعلقة ببعضها البعض ومتممة ومكملة لبعضها البعض، ولكن قد تختلف ولاية عن ولاية أخرى من حيث السعة والمتعلَّق والقوة فتختلف في هذه الأشياء، ولكنها كلها تصب في مصب واحد.

"وهكذا تعمل جميع الولايات منسجمة؛ لتحقيق مقصود واحد هو إقامة شرع الله في الأرض وتطهيرها من الفساد والمفسدين".

ولاية المحتسب وولاية القاضي:

قام الفقهاء قديمًا بالتفصيل بين ولاية المحتسب وولاية القاضي وما هي أوجه الفرق وأوجه الاجتماع بين الولايتين، فقالوا رحمهم الله:"أما أوجه الاتفاق فتتفق الولايتين -ولاية الحسبة وولاية القضاء- في جواز الاستعداء إلى المحتسب والادعاء أمامه في حقوق الآدميين في دعاوى خاصة هي المتعلقة ببخس أو تطفيف في كيل أو وزن، أو متعلقة بغش أو تدليس في بيع أو ثمن، أو متعلقة بمطْل، أو تأخير لدين مستحق الأداء مع القدرة على الوفاء".

قال:"وإنما جاز للمحتسب أن ينظر في هذه الدعاوى دون غيرها؛ لأنها كما قالوا تتعلق بمنكر ظاهر هو منصوب لإزالته، واختصاصها بمعروف بيّن هو مندوب إلى إقامته"إذن هذه الدعاوى تتعلق بحقوق للآدميين، فكما أن القاضي إذا رُفعت له هذا فإنه عليه أن ينصف المظلوم ممن ظلمه، كذلك المحتسب، فالمحتسب هو عبارة عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذه مناكير وحقوق عباد فإذا رُفعت إليه فعليه أن يعالجها وأن يرجع الحق إلى نصابه.

قال:"وللمحتسب كما للقاضي أن يلزم المدعى عليه بأداء الحق الواجب عليه إلى مستحقه في الدعاوى التي له حق النظر فيها إذا ثبتت تلك الحقوق بإقرار المدعى عليه، وثبتت أيضًا قدرته على الوفاء، وإنما كان للمحتسب إلزام المدعى عليه بأداء هذه الحقوق؛ لأن تأخير وفائها مطل، والمطل منكر الشرع نهى عنه؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (مطل الغني ظلم يُحل ماله وعرضه) "يعني الغني الذي هو قادر على سداد الدين لغريمه ويقوم بالمطل والمراوغة هذا ظلم، يعني يُحل للخصم ماله، أن يأخذه، وأن يأخذ حقه بالقوة، ويحل أيضًا عرض هذا الغني، أن يتكلم الإنسان عن هذا الرجل الذي منعه ماله أمام القاضي ويغتابه؛ ولذلك {لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ} فمن ظُلم له مقال، وهذه جائزة، من مواطن جواز الغيبة أن من ظلمك أن تتكلم عليه أمام القضاء فلا حرج في ذلك فهذا سائغ، فمطل الغني الظلم، والمحتسب منصوب لإزالة هذا المنكر. إذن هو منكر ينهى عنه، فلا حرج في إزالته.

أوجه الاختلاف بين ولاية القضاء وولاية المحتسب:

أولًا: تقتصر ولاية المحتسب عن ولاية القاضي من وجهين/ الوجه الأول: ليس للمحتسب سماع الدعاوى التي تخرج عن نطاق المنكرات الظاهرة، أي التي تخرج عن نطاق الدعاوى التي ذكرناها آنفًا، المناكير الظاهرة والحقوق الظاهرة هذا ليس له أن يسمعها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت