ثانيًا: في العبادات.
تدخل الحسبة في موضوع العبادات مثل: ترك صلاة الجمعة من قبل أهل قرية أو بلد مع توفر شروط إقامتها، وترك الأذان أو الزيادة فيه بما لم يأت به الشرع، ومثل: المخالفة لهيئات العبادة كالجهر في صلاة الإسرار والإسرار في صلاة الجهر أو الزيادة في الصلاة أو عدم الطمأنينة فيها أو الإفطار في رمضان أو كالامتناع عن إخراج الزكاة، هذا كله يجري فيه الحسبة، ولكن كلًا بحسبه.
ثالثًا: تجري الحسبة في المعاملات.
مثل: عقد العقود المحرمة وأكل أموال الناس بالباطل بالربا وغيره، والرشوة والغش في الصناعات والبيع، ويدل على ذلك الحديث الذي مر علينا في بداية الدرس عن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مر على صبرة طعام، فأدخل يده فيها فنالت أصابعه بللًا، فقال: (ما هذا يا صاحب الطعام؟) فقال: أصابته ماء السماء يا رسول الله، فقال: (أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس؟ من غشنا فليس منا) أو (من غش فليس منا) .
مر النبي - صلى الله عليه وسلم - على صبرة طعام -كما تكلمنا في بداية الدرس-، الطعام المحبوس، كيل معلوم من الطعام، فنالت يده بللًا، وهذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يحتسب على الناس في أسواقهم، فيُحتسَب إذن في معاملة الناس، والواقع أن الغش قد يكون في أشياء كثيرة جدًا، فيكون مثلًا في البيوع، كتمان العيوب وتدليس السلع. ومثل: أن يكون ظاهر المبيع خيرًا من باطنه، ويدخل في الصناعات مثل: الذين يصفون المطعومات والملبوسات وغيرها فينزلون مواصفات معينة ولا تنطبق عليها المواصفات، فالحسبة واسعة تجري في هذه المعاملات.
رابعًا: تجري الحسبة فيما يتعلق بالطرق والدروب.
"تجري الحسبة فيما يتعلق بالطرق والدروب، مثل: بناء الدكات ووضع الأسطوانات، ووضع الأخشاب والسلع والأطعمة في الطرقات وذبح الحيوانات في الطرق وتلويث الأرض بالدماء، وطرح القمامة في الدروب والأزقة وإلقاء قشور البطيخ فيها، ورشها بالماء بحيث يُخشى الزلق عليها، ونحو ذلك"يعني حتى الحسبة تجري في هذه الأشياء؛ لأنه مفضٍ للضرر بالناس والتضييق عليهم في طرقهم وفي أماكنهم.
خامسًا: فيما يتعلق بالحرف والصناعات.
"تجري الحسبة فيما يتعلق بالحرف والصناعات، وقد ذكر الفقهاء جميع الحرف والصناعات وبينوا كيفية الاحتساب فيها والأصول الجامعة في الاحتساب فيها، وهي من حيث المكان فيجب أن يكون مكان الحرفة أو الصنعة لا ضرر فيه على الآخرين"يعني حتى أنهم من دقتهم قالوا: لا يجوز للخباز أن يكون مكانه وموضعه في مكان أقمشة، عند أصحاب البز وأصحاب الأقمشة؛ لأنه يؤذيهم بالروائح، والدخان يؤثر على الأقمشة.
"ومن حيث أدوات الحرفة أو الصنعة يجب أن تكون صالحة للاستعمال، وقد وضع الفقهاء -رحمهم الله تعالى- مقاييس لصلاح كل أداة، كأنهم هم أصحاب تلك الصنائع والحرف، فالإمام الشيزري يقول في مقلى الزلابية، قال: ينبغي أن يكون مقلى الزلابية من النحاس الأحمر الجيد، ثم يبين الشيزري -رحمه الله- كيفية إعداده للاستعمال فيقول: يُحرق فيه النخالة -يعني في هذا المقلى والصاج هذا الكبير يُحرق فيه النخالة- ثم يدلكه بورق السلق"