الصفحة 25 من 28

الاحتساب بيان القواعد التالية""

الأصل في الاحتساب أن نصل بأيسر وأرفق طريق مع الناس ونحتسب عليهم، يعني لا نريد أن نحمل الناس فوق طاقتهم، ولا نريد أن نشد على الناس ونقهرهم ونكسرهم، بل الاحتساب هو مصلحة للناس نفسهم، هي مصلحة لنا ولهم؛ حتى يكفوا عن هذا المنكر ويعملوا ذلك المعروف، ولكن بأيسر طريق.

فهذه قواعد تُذكر ينبغي للمحتسب أن يجعلها نصب عينيه وأن يحرص عليها جدًا.

القاعدة الأولى: الأنكار القلبي، يجب أن يكون كاملًا ودائمًا وبالنسبة لكل منكر، وفائدته بقاء القلب في حساسيته ضد المنكر، وبقاء عزمه على التغيير عند الإمكان. وأما الإنكار القولي والفعلي فيكون حسب الاستطاعة، ودليل ذلك {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} وما جاء من الحديث: (من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان) .

بل إن بعض السلف كان يدخل الأسواق، يعني كان يقول سفيان الثوري -رحمه الله- وهو أمير المؤمنين في الحديث وجهبذ من جهابذة أئمة المسلمين، قال:"إني لأدخل السوق فأرى المنكر فلا أستطيع أن أنكره فأبول دمًا"يعني من شدة غيرته على رؤية المنكر وهو لا يستطيع إنكاره فيتأثر -رحمه الله تعالى-.

فإن لم تستطع باليد فباللسان، إن لم تستطع باللسان فيبقى الإنكار القلبي؛ حتى يبقى القلب حي، لأن كثرة المساس تزيل الإحساس، فيتبلد القلب من رؤية كثير من المناكير.

وينبغي للإنسان أيضًا ألا يدخل الأسواق إلا مضطرًا، يقضي حاجته ثم ينصرف، أما التمشي في الأسواق والدخول للأسواق لأقل الأغراض فهذا مما لا ينبغي؛ لأن أخبث البقاع إلى الله -عز وجل- الأسواق؛ لما يحدث فيها من المناكير وما يحدث فيها من المصائب والمعاصي الكثيرة، فينبغي للإنسان أن يتجنب السوق ما استطاع إلى ذلك سبيلًا، وإن دخله يدخله مضطرًا غاضًا لبصره منتبهًا لنفسه حريصًا على ألا يقع في معصية من المعاصي.

القاعدة الثانية: إنما يُطلب الاحتساب إذا كان من ورائه تحصيل مصلحة أو دفع مفسدة، فإذا كان ما يترتب عليه فوات معروف أكبر أو حصول منكر أكبر لم يكن هذا الاحتساب مطلوب شرعًا، وإن كان المحتسَب عليه قد ترك واجبًا أو فعل محرمًا؛ لأن على المحتسب أن يتقي الله في عباده وليس عليه هداهم، وليس من تقوى الله -عز وجل- أن يتسبب باحتسابه في فوات معروف أكبر أو حصول منكر أكبر؛ لأن الشرع إنما أوجب الحسبة لقمع الفساد وتحسير الصلاح، فإذا كان ما يترتب على الاحتساب مقدارًا من الفساد أكبر من الفساد القائم، أو يفوت من الصلاح مقدارًا أكبر من الصلاح الفائت لم يكن هنا الاحتساب مما أمر به الشرع.

وهذا طبعًا يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال والظروف، وعلى المحتسب أن يتبصر فيها، ويزن مقادير المعروف والمنكر التي تنتج عن احتسابه ثم يقدم بعد ذلك على احتسابه أو يحجم عنه"إذن لا بد من نظرة دقيقة فاحصة ماحصة من قبل المحتسب، ينظر هل هذا المنكر سيؤدي إلى منكر أعظم إن نهى عنه، وهكذا، فينظر مآلات الأمور وفسادها، ونظره يكون عن علم وعن خبرة، ما يكون عن وهم ووسواس؛ لأن بعض الناس الوسواس متعلق به، يقول: خلاص يمكن يحدث كذا أو يحدث كذا. ويستبق الأحداث وسوسةً ووهمًا، فينبغي عليه أن يزنها بميزان العلم والشرع وليس بميزان الوهم."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت