"القاعدة الثالثة: الأخذ بالرفق ما أمكن ذلك"ومستند هذه القاعدة ما يأتي: حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو قوله: (إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله، ويعطي عليه ما لا يعطي على العنف)
وأيضًا: (ما كان الرفق في شيء إلا زانه وما نُزع من شيء إلا شانه)
وأيضًا هي صفة من صفات النبي - صلى الله عليه وسلم - التي أمرنا أن نقتدي بها {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ}
وقال الله -عز وجل- عنه: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ}
وقال عنه: {وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ}
وقال الله -عز وجل- آمرًا موسى وهارون في أن يأتي فرعون؛ لدعوته إلى الإسلام: {فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} ، أمرهما أن يقولا له قولًا لينًا وهو فرعون الذي ادعى الربوبية!
"إذن الاحتساب المثمر هو الذي يجعل المحتسب عليه قابلًا للاحتساب راضيًا به مقتنعًا بضرورته ومضمونه حتى يكون له من نفسه وازع يمنعه من العودة إلى المنكر، وهذا كله يحتمل حصوله بقدر أكبر إذا كان الاحتساب بالرفق وعدم الغضب والعنف، وبالمحاججة والمناقشة الهادئة المقنعة"
ينبغي للمحتسب أن يتسم بهذه الصفة وهي صفة طيّبة تجلب القلوب، ويحسن فيها الاحتساب ويكون له أثر وقبول؛ ولذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - كان عنده الرفق وكان عنده الموعظة وكان عنده أيضًا ضرب الأمثال، ينبغي للمحتسب أن يضرب الأمثال للمحتسب عليه؛ حتى يكون عنده قبول، وحتى يفهم هذه المعاني فيطبقها بسلاسة.
جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله- عن أبي أمامة أن غلامًا شابًا أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا نبي الله، ائذن لي بالزنا. فصاح الناس به، يعني كاد الناس أن يقعوا به، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: (قربوه) ثم قال له: (ادنُ) فدنا حتى جلس بين يديه، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: (أتحبه لأمك؟) فقال: لا، جعلني الله فداك. قال: (كذلك الناس لا يحبونه لأمهاتهم) ثم قال: (أتحبه لابنتك؟) قال: لا، جعلني الله فداك. قال: (كذلك الناس لا يحبونه لبناتهم) ثم قال له: (أتحبه لأختك؟) حتى ذكر - صلى الله عليه وسلم - العمة والخالة، والغلام يقول في كل واحدة: لا، جعلني الله فداك. والنبي يقول: (كذلك الناس لا يحبونه ... )
فوضع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يده على صدره وقال: (اللهم طهر قلبه، واغفر ذنبه، وحصن فرجه) فلم يكن شيء أبغض إليه من الزنا.
انظروا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - القدوة المعلم المحتسب كيف أتى لهذا الغلام وضرب له الأمثال بأشياء لا يستطيع إلا أن يسلم بها، يعني هو يريد الزنا! طيب، ترضاه لأمك؟ ترضاه لأختك؟ ترضاه لعمتك؟ كما أنك لا ترضاه، فالناس لا يرضونه، فينبغي للإنسان أن يعامل الناس بمثل ما يحب أن يُعامل به، فضرب الأمثال طيب، ينبغي للمحتسب يضرب الأمثال والأشباه وينصح الناس بهذه الأشياء.
أيضًا لا يعني أن الرفق هو الأسلوب الوحيد للاحتساب -كما نبهنا أن الرفق مهم جدًا- فالرفق أيضًا ليس هو الأسلوب الوحيد للاحتساب، أو أنه لا يجوز تركه في بعض الأحيان، وإنما -مثل ما قلنا- التأكيد على الرفق والأخذ به كلما أمكن ذلك، ولا يُستعاض عنه بغيره إلا عند الحاجة والضرورة، يعني لا يُستعاض بالشدة والغلظة إلا عند الحاجة والضرورة.
متى يجب الاحتساب؟