الاحتساب القلبي واجب على كل مسلم في جميع الأحوال إذا سمع بمنكر أو رآه -كما قلنا-"إذن الاحتساب القلبي يبقى؛ حتى يبقى القلب حي."
"أما الاحتساب باليد أو بالقول فهذا يجب بالقدرة على هذا النوع من الاحتساب بشرط أن يأمن المحتسب على نفسه من الأذى والضرر كما يأمن على غيره من المسلمين من الأذى والضرر؛ وتعليل ذلك أن الخوف من لحوق الأذى والضرر بمنزلة العجز الحسي، والعجز الحسي يفوّت شرط القدرة فلا يجب الاحتساب إلا أنه يجب هجران أصحاب المنكرات وعدم مخالطتهم"
إذن إذا كان فيه قدرة فعلى المحتسب أن يحتسب، أما إذا فقد القدرة فعند ذلك لا يحتسب؛ لأن الحسبة منوطة بالقدرة.
هنا مسألة: هل يُشترط الانتفاع بالاحتساب؟ فيكون الاحتساب ذلك واجبًا أو إذا كان الاحتساب لا ينفع فلا يكون واجبًا؟
هذه مسألة تكلم فيها الفقهاء، فذهبوا إلى قولين من أقوال العلماء، فمنهم من يقول: لا يجب الاحتساب وإنما يُستحب عند عدم رجاء الانتفاع، فإذا كان مرجوًا وجب الاحتساب، ودليل هذا القول ما فهموه من قوله -تعالى-: {فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى} فمنهم من حملها على ظاهرها فيكون المعنى: ذكّر حيث تنفع التذكرة، مفهوم المخالفة: إذا لم تنفع التذكرة لا تذكر، فهذا قول أنه إذا حدث انتفاع فلا بأس وإذا لم يحدث انتفاع فلا يتم التذكير.
أما القول الثاني: فيجب الاحتساب، سواء نفع الاحتساب أو لم ينفع؛ لأن احتسابه قيام منه بواجب شرعي، فلا يتوقف على انتفاع الغير به؛ ولأن على المسلم أن يؤدي ما عليه وليس عليه أن يقوم الغير بما عليه، مثل ترك صاحب المنكر منكره، وأجابوا على احتجاج أصحاب القول الأول بأن الآية الكريمة {فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى} لا تعلق الوجوب على حصول الانتفاع، يعني الآية الذي فهموا منها أنه لا بد من تعلق الوجوب بها هذا لا يدل على ذلك، وردوا عليه بعدة أشياء:-
1-إن المعلق بـ:"إن"على الشيء لا يلزم أن يكون عدمًا عند عدم ذلك الشيء، يعني {فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى} أي: إن لم تنفع الذكرى فلا تذكر، ليس شرط! بل وردت آيات هكذا ومع هذا لا يُفهم منها هذا، منها قوله -تعالى-: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} "إن خفتم"طيب إن لم تخافوا لا تقصروا؟ لا، بل تقصروا؛ لأنكم في سفر، فالقصر هنا ليس معنى"إن خفتم"أي: إن خفتم وإن لم تخافوا.
أيضًا قوله -تعالى-: {وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} طيب إن لم تكونوا على سفر فهل يجوز الرهن أم لا يجوز؟ يجوز الرهن، الرهن يجوز في الحل وفي السفر، سواء وُجد كاتب أو لم يوجد كاتب فالأمر مطلق. إذن ما فهموه من هذا ينتقض بهذا الأمر.
2-إن ذكر الشرط في الآية الكريمة {فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى} هنا شرط {فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى} لفوائد، منها: أنه -سبحانه وتعالى- ذكر أشرف الحالتين عند التذكير وهي حالة الانتفاع، يعني الله -عز وجل- حينما قال: {فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى} ذكر أشرف الحالتين، وسكت عن الحالة الأخرى وهي عدم الانتفاع منبهًا عليه، كما قال الله -عز وجل-: {سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ} وأيضًا {وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ} أي: تقيكم الحر وتقيكم البرد، فذكر شيء -وهذا موجود في القرآن أنه يذكر الشيء ولا يذكر النظير الآخر؛ اكتفاءً بأحدهما عن الآخر- وتقدير الآية: سرابيل تقيكم الحر وتقيكم البرد. {فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى} تقديرها: فذكر إن نفعت