الصفحة 193 من 439

ثالثًا: ظهور المجتهدين في كلٍّ من المذاهب الفقهية؛ الذي يقومون باستنباط ما يقع للناس من نوازل بقياسها على فروع مذهبهم واستخراجها من أصوله وقواعده على ما سبق ذكره، مما جعل كل واحد من هذه المذاهب كافيًا لحاجة الناس وشاملًا لحياتهم وما يستجد فيها، فلم يعتر التقصير واحدًا منها حتى يشتكي أهله منه، بل نجد أن كل أصحاب وأتباع مذهب كانوا مكتفين ومستغنين به عمّا سواه، ويدرك هذا كل من يطّلع على مطولات هذه المذاهب لكثرة ما اشتملت عليه من المسائل.

فالاجتهاد في المذهب لا نِزاع مطلقًا في الاعتراف به ووجوده عند المتأخّرين دون إنكار له، ومَن تتبع كتبهم وجدها مليئة بمثل هذا الاجتهاد، وبه حصلت الكفاية؛ لإيفاء الناس حاجتهم من الأحكام المستجدة المنضبطة بالقواعد والأصول الشرعيّة المعروفة... (1) .

رابعًا: ظهور العلماء المنكبين على دراسة وتدريس مذهب من المذاهب الأربعة؛ وهذا هو السبب الرئيس في انتشار المذاهب الفقهية واكتفاء الناس بها عن غيرها؛ إذ أن العالم الصادق يكون له أكبر الأثر في حياة الناس وقناعاتهم، فكم من بلاد كانت على مذهب معيَّن، ثم انتقلت إلى غيره بسبب انتقال عالم صالح فاضل لها يدين بهذا المذهب فحياة كل فكر ومذهب بحياة علمائه ونشاطهم، وهذا سرّ فشو مذهب في بلد واضمحلاله؛ إذ أنه إذا وجد مَن يحمل لواءه أثبت وجوده وانتشر بين الناس، وإذا قل علماؤه انكمش وانزوا إلى أن يتلاشا. ويلاحظ هذا كلَّ مَن أكثر من مطالعة الكتب التاريخية والتراجم.

(1) الحطاب، مواهب الجليل، ج1، ص30.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت