الصفحة 195 من 439

ونختم الكلام في هذا الطور في معنى قولهم إذا صحّ الحديث فهو مذهبي، وعدم صحة الغمز به في مسائل الأئمة المجتهدين، ولا في تقليد الفقهاء لهم؛ لأن هذه المقولة تذكر في كتب الأقدمين على سبيل الثناء والرفعة لهؤلاء الأئمة لا لانتقاصهم بالطعن فيما ورد عنهم من مسائل أنها تخالف النصوص، قال محمد العربي بن التباني (1) : (( جلّ العلماء الذين ذكروه كالحافظ ابن عبد البر - رضي الله عنه -، إنَّما ذكروه، وعدّوه من مناقبهم، والجماعون المتشبعون بما لم يعطوا ، يذكرونه لثلبهم وثلب أتباعهم... ) ).

وهذا الكلام ليس للعوام، وإنما لأهل النظر المشتغلين بعلوم الشريعة ممن بلغوا مرتبة الاجتهاد ولو في المذهب أو في هذه المسألة، وعلى ذلك أطبقت كلمة العلماء، قال النووي (2) : (( إنَّما هذا فيمن له رتبة الاجتهاد في المذهب... ) )، وقال أبو زرعة: (( لا يسوغ عندي لمن هو من أهل الفهم ومعرفة صحيح الحديث من سقيمه، والتمكُّن من علمي الأصول والعربية، ومعرفة خلاف السلف ومأخذهم، إذا وجد حديثًا صحيحًا على خلاف قول مقلّده: أن يترك الحديث ويعمل بقول إمامه ) ) (3) ، وقال الإمام ابن عابدين (4) : (( ولا يخفى أنَّ ذلك ـ أي الأخذ بالحديث الصحيح ـ لمن كان أَهلًا للنَّظر في النُّصوص، ومعرفة محكمها من منسخوها، فإذا نظر أهل المذاهب في الدَّليل وعملوا به، صحَّ نسبتُه إلى المذهب؛ لكونه صادرًا بإذن صاحب المذهب؛ إذ لا شكَّ أنه لو علم ضعف دليله، رجع عنه، واتبع الدَّليل الأقوى ) ) (5) .

(1) البيانوني، الاجتهاد، ص112.

(2) النووي، المجموع، ج1، ص105.

(3) عوامة، أثر الحديث الشريف، ص53-54 عن الأجوبة المرضية ص68.

(4) ابن عابدين رد المحتار، ج1، ص68.

(5) البيانوني، الاجتهاد، ص81، عن الشيخ عبد الله خير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت