الصفحة 236 من 439

لم تنشأ القواعد الفقهية جميعًا في يوم واحد، ولم يضعها فقيه واحد بعينه ولكنها نشأت تباعًا وتطورت مع تطور الفقه فمرّت بمراحل عدة فيها وضعت، ثم نسّقت، ثمّ أصّلت، ثم صيغت إلى أن وصلت إلينا مجموعة في ثوبها الدستوري الموجز الذي نراها فيه الآن.

فقد عرفت القواعد الفقهية في عصر الأئمة المجتهدين تدريجيًا على أيدي كبار أهل التخريج والترجيح أخذًا من دلالات النصوص وما تفيده علل الأحكام، وكانت تدور على ألسنة الفقهاء والمجتهدين وهم يؤصلون الأحكام ويستنبطونها من النصوص فيتناقلها الطلاب والعلماء ويعملون الفكر فيها تنقيحًا وتنسيقًا ويورثونها طلابهم، فيزيدون فيها وينقصون منها، ويعيدون صياغتها وهكذا حتى انجلى القناع عنها واتضحت معالها وتحسنت صياغتها.

والنظر والتتبع يمكن القول بأن فقهاء المذهب الحنفي كانوا أسبق من غيرهم في هذا الاتجاه ووضع القواعد والاحتجاج بها واعتبارها أصولًا تنبني عليها الأحكام الفقهية في الجزئيات، وذلك لأن طبيعة فقههم واتجاههم نحو الرأي الدقيق ووجود الفقه الافتراضي بينهم وتوسعهم في الفروع حتى أن أصولهم الفقهية أخذت منها.

وأول مَن روي عنه جمع هذه القواعد هو الإمام أبو طاهر الدبّاس فقيه الحنفية في العراق حيث جمع أهم قواعد مذهب الإمام وجعلها في سبع عشرة قاعدة كلية، ولعلّ هذا كان أول عمل ظاهر في تقييد القواعد، ومَن بعده جاء الكرخي الفقيه الحنفي العراقي والمعاصر للدباس (ت340هـ) ، فأخذ قواعد الدبّاس وأضاف إليها بعض ما يمكن اعتباره قواعد في الجملة حتى أوصلها إلى سبع وثلاثين قاعدة، ثم جاء الإمام أبو زيد الدبوسي الفقيه الحنفي (ت430هـ) الذي كان أول مَن جعل من خلاف الفقهاء علمًا مستقلًا بذاته فألف كتاب (( تأسيس النظر ) )مشتملًا على ست وثمانين قاعدة، وقد عدّه علماء الأصول الأحناف كتاب أصول أيضًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت