فهرس الكتاب
ويفهم من كلام خاتمة المحققين ابن عابدين أنه لا ينبغي التجرؤ على دين بالإفتاء من القواعد الفقهية إلا بعد معرفة تامة بالأصول والقواعد بحيث جعله أهلًا للاجتهاد في المسائل، فإنه يجوز له أن يفتي في تلك الحادثة بقياسها على نظيرتها المذكورة في كتب الفقه أو من القواعد والضوابط المحررة، وهذا بعد تصفح كتب الفقهاء والبحث عن تلك الجزئية بحثًا بليغًا، والأحسن قبل الإفتاء في مثل هذه المسائل أن يشارو غيره من العلماء والفقهاء ولا يتعجل فيها بالإفتاء، بل يخشى الله سبحانه وتعالى في جميع ذلك، فإنه منصف الإفتاء منصب خطير (1) . قال القرافي: (( كل شيء أفتى فيه المجتهد فخرجت فتياه فيه على خلاف الإجماع أو القواعد أو النص أو القياس الجلي السالم عن المعارض الراجح لا يجوز لمقلّده أن ينقلَه للناس ) ) (2) .
فالقاعدة تكون مستمدةً عادة من مجموعة الفروع الفقهية، وهذه الفروع مستخرجة من نصوص شرعية إمًا نصًا أو ضمنًا، وبذلك فإن القاعدة يكون مستندها العديد من النصوص الشرعية المنصوصة أو المفهومة، فعندما يعارضها دليل أضعف منها تقدم عليه، كما فعل النووي عندما قدم العمل بالقاعدة على الحديث الضعيف، وذلك في مسألة الوضوء من شرب لبن الإبل حيث قال أصحاب الإمام أحمد أنه يجب الوضوء من شرب لبن الإبل محتجين بقول النبي - صلى الله عليه وسلم: (لا توضأوا من ألبان الغنم وتوضأوا من ألبان الإبل) (3) [رواه ابن ماجة بإسناد ضعيف، فلا حجة فيه لضعفه] (104) ، بينما يرى النووي وكافة العلماء أن لا وضوء من لبن الإبل محتجين أن الأصلَ الطهارة ولم يثبت أنه ناقض (4) ، فالنووي استند إلى القاعدة الفقهية المشهورة: (( الأصل بقاء ما كان على ما كان ) ) (5) .
(1) العثماني، أصول الإفتاء، ص65-66.
(2) القرافي، الفروق، ج2، ص109.
(3) ابن ماجة، السنن، ج1، ص166.
(4) النووي، المجموع، ج2، ص60.
(5) ابن رجب، القواعد، ص 369، والسيوطي، الأشباه والنظائر، ج1،ص152.