الصفحة 249 من 439

ولهذا ترتبط الأفعال بمقاصدها سواء في العبادات أم المعاملات وذلك بالنسبة للحكم الأخروي، أما الحكم الدنيوي، فإنه كذلك أيضًا ما دام ظاهر التصرّف محتملًا لذلك القصد، فإذا لم يحتمله أُعمل الظاهر وأُلغي القصد. فمن قال لزوجته: اذهبي إلى بيت أهلك، نظر إلى قصده فإن كان الطلاق حكم عليه به؛ لاحتمال اللفظ له، وإن كان قصده غير الطلاق لم يحكم بالطلاق عليه؛ لأن اللفظ يحتمل غير الطلاق أيضًا، بينما لو قال لزوجته: أنت طالق، حكم عليه بالطلاق وإن لم يقصده، وذلك في حكم الدنيا؛ لأن لفظ الطلاق صريح في الطلاق ولا يحتمل غيره، وأما بينه وبين ربّه فإنّه يقبل منه قصده مطلقًا ولا يقع عليه الطلاق إذا لم يقصده ديانة خلافًا للقضاء.

وعلى ذلك فإنه إذا اختلفت النيّة والظاهر حكم بمقتضى النيّة إن أمكن معرفتها، فإذا اختلفت الإرادة مع العبارة قدّمت الإرادة، وقد وضع العلماء هذا المعنى في قاعدة فرعية نصها: (( إن العبرة في العقود للمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني ) )، فمَن أعار كتابًا في مقابل أجر كان عقد إجارة وإن كان اللفظ يفيد أنه عقد إعارة، ومَن وهب بشرط العوض اعتبر بيعًا.

ولو امتنع إنسان عن الطعام دون نيّة الصيام لم يكن صائمًا، ولو كان في رمضان. ومن ترك المحرمات المنهي عنها امتثالًا للنهي الوارد في التشريع أثيب على هذا التركـ أما إن كان الترك يتعلق بطبيعة أو استقذار لهذا الشيء بدون النظر إلى الأمر الناهي عن فعله كان ذلك أمرًا عاديًا وطبيعة بشرية لا ثواب عليها.

وعلى هذا ترتَّبت قاعدة فرعية نصّها: (( لا ثواب إلا بالنية ) )، فالنيّة أساس في اعتبار العمل والنظرة إليه وتقديره وكون المرء لا يثاب على العمل إلا بالنية داخل في ذلك؛ لأن الثوابَ أثر من آثار تقدير العمل واعتباره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت