فهرس الكتاب
والمراد بالنية هنا نيّة القربة إلى الله، وطلب الثواب منه، فهذا هو الذي يتحقَّق به الثواب على العمل مع ملاحظة كون العمل مشروعًا غير ممنوع، ويراد به التقرّب إلى الله سبحانه، فإذا كان غير مشروع فإنه لا ثواب عليه مهما قصد به صاحبه من التقرّب أو ابتغاء رضوانه.
ومقتضى هذه القاعدة أن النوايا القلبية المجرّدة التي لا تقترن بظاهر يفصح عنها من قول أو فعل لا يترتب عليها حكم شرعي دنيوي؛ لأن القاعدة بمنطوقها إنما تربط الحكم بالأمور الظاهرة من الأقوال أو الأفعال وإن كانت قد جعلت تحديده منوطًا بالنيّة والقصد من وراء تلك الأمور، فمَن طلَّقَ زوجتَه بقلبه دون أن ينطقَ بلسانه لا يحكم عليه بطلاق وإن صرَّح أنه كان قد نوى ذلك.
ومَن قال لامرأته: (( أنت طالق ) )، ولم يكن يقصد الطلاق ولكن سبق لسانه إلى اللفظ، فإنه لا يقع طلاقه ديانة: أي فيما بينه وبين الله تعالى، ويقع قضاءً بمعنى أنه لو عرضَ على القاضي لحكم بوقوعه ولا يلتفت إلى نيّة الزوج؛ لأن ما كان من الألفاظ صريحًا ولكنه يحتمل الدلالة على غير المعنى المشتهر استعماله فيه لغة، فإن نيّة المعنى الآخر له تؤثر في عدم ترتيب آثاره عليه ديانة لا قضاء.
ومن الأحكام الفقهية في المسائل الفرعية التي انبنت على قاعدة: (( الأمور بمقاصدها ) )أن مَن ذبح الحيوان قاصدًا التقرّب لغير الله تعالى لا تحلّ ذبيحته، ولو أنه قطع الودجين والحلقوم.
ومَن تلفَّظ بالطلاق بصيغة اليمين قاصدًا اليمين ولم يقصد تطليق زوجته اعتبر يمينًا ولم تطلق، وإن قصد الطلاق طلّقت.