الصفحة 254 من 439

فجملة الأحاديث تدلّ دلالة صريحة على طرح الشكّ والبناء على اليقين حيث دلّ الحديثان الأولان صراحته على أن من استيقن الطهارة ثم شكّ في الحدث فله أن يصلي بطهارته تلك، ولا عبرة بذلك الشك الطارئ؛ لأن اليقين الثابت أو ما في حكمه وهو الظن الغالب لا يرتفع بالشك الطارئ، وهذا يشمل كافة المعاني الداخلة تحت موضوعها، وذلك عن طريق التعليل والقياس حيث حقَّق الفقهاء حكم الحديث في جميع المسائل التي تشارك النصوص المذكورة في علتها ومعناها، وهذه الأحاديث المذكورة هي التي استند إليها الفقهاء في استنتاج القاعدة المذكورة.

رابعًا: معنى القاعدة وتطبيقاتها وما يترتب عليها:

ومعنى القاعدة باختصار تام: أنه ما كان ثابتًا متيقنًا لا يرتفع بمجرد طروء الشك عليه؛ لأن الأمر اليقيني لا يعقل أن يزيله ما هو أضعف منه، بل ما كان مثله أو أقوى؛ ولذلك إذا كان هناك حكم أو أمر شرعي ثبت بشكل يقيني ثم طرأ الشكّ على تغيّره بعد ذلك، فإنه لا يعمل بذلك الشكّ ويجري العمل على اعتبار ما كان مقطوعًا بحصوله حتى يتحقَّق السبب المزيل أو يغلب على الظنّ ذلك، فإذا وقع عقد بيقين ثم شكّ في حدوث ما يفسخه فالعقد قائم، وإذا هلكت الوديعة وشكّ في أن سبب الهلاك تعدي المودع فلا ضمان عليه.

ومن هذه القاعدة أخذ كثير من الفقهاء و الأصوليين دليل الاستصحاب وعبر عنه بعضهم بقاعدة: (( الأصل بقاء ما كان على ما كان ) )كما فرَّعوا عليها أيضًا قاعدة: (( الأصل براءة الذمة ) )؛ لأن المرء يولد دون أن يكون محملًا بالتزام وإن ما يتحمله من التزامات ويتعلّق به من مسئوليات إنما هي أمور طارئة، والأصل فيما يعرض العدم.

ومن الأحكام الفقهية التطبيقية المبنية على هذه القاعدة في الفروع:

إذا استيقن في ثوب نجاسة بحيث لا يدري مكانها فإنه يغسل الثوب كلّه؛ لأن الشكّ لا يرفع المتيقن قبله (1) .

(1) ابن نجيم، الأشباه والنظائر، ص 60.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت