فهرس الكتاب
ومفهوم القاعدة أن الإنسانَ لا ينبغي الإضرار به سواء كان من نفسه أو من غيره، ولا ينبغي له إلحاق الضرر بغيره.
ويلاحظ على عبارة الحديث الذي هو أصل القاعدة أنه أوسع دائرة من القاعدة؛ لأنه في فقرته الأولى ينفي الضرر قبل الوقوع وبعده، وفي الفقرة الثانية ينفي الضرر في مقابلة الضرر: أي أن المعتدى عليه لا يتجاوز حقّه، وإنما تكون السيئة بمثلها كما يدلّ عليه قوله - جل جلاله: { وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا } [الشورى: 40] .
وهذه القاعدة من جوامع الأحكام، وهي أساس عام لمنع الفعل الضار عن النفس والغير، وهي توجب رفع الضرر قبل وقوعه وبعده؛ لأن الوقاية خير من العلاج، فإذا وقع الضرر وجبت إزالته وترميم آثاره، وعليه فإن موضوع القاعدة هو الفعل الضار أو الضرر وهو يتنوع باعتبار محله إلى ضرر يتعلق بالدين والنفس والعقل والعرض ـ النسب ـ والمال، كما يتنوع باعتبار دور فاعله إلى ضرر بالمباشرة، وهو فعل الضرر من غير واسطة كالمباشر للقتل، وضرر بالتسبب، وهو أن يكون الإنسان سببًا في حصول ضرر لغيره، وكذلك يتنوع باعتبار هيئته إلى ضرر مادي كالضرب والقتل وسرقة الأموال، وضرر معنوي أو أدبي كالتعدي على الغير في حرّيته، أو في شرفه، أو في سمعته أو في مركزه الاجتماعي (1) .
ولإعمال القاعدة يشترط في الضرر أن يكون محققًا في الحال أو المستقبل، فلا تبنى الأحكام على ضرر موهوم أو نادر الحصول: كبناء الشخص جدارًا في أرضه فادّعى جاره أنه يحجب عنه الهواء، فلا يكون ذلك ضررًا مخلًا بالمصلحة المشروعة؛ لأنه لا يقع حجب الهواء وإذا وقع كان نادرًا (2) ، فالعبرة في الضرر كثرة الحصول، كما يشترط في الضرر أن يكون فاحشًا كبيرًا فلا يعتدّ بالضرر اليسير والعبرة في تحديده إلى العرف (3) .
(1) شبير، القواعد الكلية، ص170، 171 .
(2) د. وهبة الزحيلي، الفقه الإسلامي وأدلته، ج4، ص35 .
(3) ابن نجيم، البحر الرائق، ج7، ص32.