الصفحة 261 من 439

تعني هذه القاعدة أن الصعوبةَ التي تصادف في أي شيء تكون سببًا باعثًا على تسهيل وتهوين ذلك الشيء، وعليه فإن الأحكام التي ينشأ عن تطبيقها حرج على المكلف ومشقة في نفسه أو ماله فالشريعة تخففها بما يقع تحت قدرة المكلف دون عسر أو إحراج (1) ، فإذا صار المكلّفُ في حالة لا يستطيع معها القيام بالتكاليف الشرعية على النحو المعتاد، فإن الله - جل جلاله - يرخص له في أدائها حسب استطاعته.

ولا يراد بالمشقة في لسان الفقهاء أصلها؛ لأنه لا يخلو تكليف من التكاليف الشرعية منها عند تنفيذه، وإنما المراد الحرج والمشقة الزائدان بحيث تضيق بهما الصدور وتستنفذ الجهود؛ ولهذا سنّ الشارع الحكيم لعباده رخصًا تدفع عنهم المشقة الزائدة وتستوجب اليسر والسهولة حتى تنبعث نفوسهم إلى تنفيذ الأحكام، ومن ذلك الترخيص للمسافر بالقصر وتأخير الصوم إلى زوال العذر.

ولذلك كانت أسباب وجود المشقة التي تبعث التعب والعناء والعنت وتستدعي اعتبارها في بناء الأحكام عليها مما جعلها الشارع من أسباب التيسير والتخفيف، فرتب عليها أحكام التيسير والترخص وتتمثل هذه الأسباب في السفر المسافة الشرعية المحددة والمرض الشديد الذي يؤدي إلى هلاك النفس أو تلف بعض الأعضاء أو فوات منافعها أو تأخير الشفاء.

ويرجع في تقدير شدّة المرض وعدمها إلى الإنسان نفسه إذا عرف ذلك، وإلا يرجع إلى أهل الخبرة من الأطباء العدول، وكذلك من أسباب التيسير والترخص والتخفيف الإكراه المتمثّل في حمل الغير على ما يكرهه بالوعيد أو الإلزام والإجبار فيقدم على فعل ما لا يرضاه ليرفع ما هو أضر (2) .

(1) البورنو، الوجيز في إيضاح قواعد الفقه، ص218 .

(2) التفتازاني، التلويح على التوضيح، ج2، ص196، وأنظر: لجرجاني، التعريفات، ص 50.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت