فهرس الكتاب
تعتبر هذه القاعدة إحدى القواعد المهمة التي بني عليها الفقه الإسلامي، وهي تعبر عن مكانة العرف والعادة في التشريع الإسلامي حيث كان لها نصيب وافر ملحوظ في تغيّر الأحكام حسب تغيرهما، وعليهما يرتكز كثير من الأحكام والفروع الفقهية في شتى أقسام الفقه وأبوابه، ولها سلطان واسع المدى في بناء الأحكام وتجديد بنائها لتجدد العرف والعادات وتطورها؛ إذ تدور عليهما عجلة المعاملات بين الناس، قال السيوطي: (( اعلم أن اعتبار العادة والعرف رجع إليه في الفقه في مسائل لا تعد كثرة فمن ذلك: سنّ الحيض والبلوغ والنجاسات المعفو عن قليلها والأنهار المملوكة ... وغيرها ) ) (1) ، كما أن هذه القاعدة تعد مظهرًا من مظاهر التيسير على الناس ورفع الحرج عنهم؛ لأنها تدعو إلى اعتبار ما ألفه الناس وتعودوا عليه واستقر فيهم، وعدم نزعهم من عاداتهم الصالحة الموافقة للشريعة الإسلامية ومقاصدها.
ثالثًا: أصل القاعدة ودليلها:
دخلت هذه القاعدة التقعيد الفقهي منذ وقت مبكر بسبب استنادها إلى نصوص من القرآن والسنه وآثار الصحابة - رضي الله عنهم - ومن ذلك قوله - جل جلاله: { خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ } [الأعراف:199] ، وقوله - جل جلاله: { وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ } [البقرة: 233] ، وقوله - جل جلاله: { وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ } [البقرة:241] ، وعن عائشة رضي الله عنها أن هند بنت عتبة زوجة أبي سفيان - رضي الله عنه - قالت: (يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح، وليس يعطيني ما يكفيني وولدي إلاّ ما أخذت منه وهو لا يعلم. فقال: خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف) (2) .
(1) السيوطي، الأشباه والنظائر، ج1، ص90 . وأنظر: ابن نجيم، الأشباه، ص93 .
(2) البخاري، الصحيح، كتاب النفقات، ج6، ص193 .