الصفحة 267 من 439

وتعمل هذه القاعدة في مجال بناء الأحكام الشرعية عليها للقضايا التي لم يرد فيها نص شرعي، فنصوص الشريعة لا يمكن أن تستوعب جميع التفصيلات والاحتمالات فلا بد من الرجوع إلى العرف لبناء الأحكام عليه، مثال ذلك عقد القراض (المضاربة) ، فقد أجمع العلماء على أنه لم يستند إلى نص مرفوع إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، وإنما أجيز؛ لأنه كان معاملة معروفة فتعامل بها الصحابة - رضي الله عنهم - (1) . كما تعمل القاعدة كذلك في تجديد بناء الأحكام الشرعية وتعديلها مما هو مبني أصلًا على العادات والأعراف، فإذا تغيّرت تلك العادات والأعراف وجب تغيير الحكم؛ ولهذا قال القرافي: (( الجمود على المنقولات أبدًا ضلال في الدين وجهل بمقاصد علماء المسلمين والسلف الماضين ) ) (2) .

ولهذا فإن العادة ليست دليلًا مستقلًا من أدلة الشريعة الإسلامية من قرآن أو سنة، وإنما ترد إليها لاعتبارها وبناء الأحكام الشرعية عليها؛ ولهذا قرَّر الفقهاء لاعتبارها عدة شروط تتمثل في عدم مخالفتها لنص من كتاب أو سنة أو أصل قطعي في الشريعة: كتعارف الناس التعامل بالربا، فإن هذا العرف يسمى بالعرف الفاسد أو الباطل.

ومن الشروط أيضًا أن تكون العادة مطّردة أو غالبة، وذلك بأن يكون العمل بها مستمرًا في جميع الحوادث أو أغلبها. وأن تكون العادة كذلك موجودة عند إنشاء التصرف سواء سابقة عليه أو مقارنة له وإلاّ فلا تعتبر. ثم ألاّ تعارض العادة شرطًا للعاقدين أو أحدهما بعدم العمل بها، فإذا تحققت هذه الشروط في العرف أو العادة كان صحيحًا يعمل به ويعتمد عليه في بناء الأحكام، وأما إذا لم تتوفر الشروط أو أحدها كان العرف فاسدًا أو باطلًا.

(1) الشوكاني، نيل الأوطار، ج5، ص365.

(2) القرافي، الفروق، ج1، ص177.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت