ويجوز للمفتي أن يفصّل الأقسام في جوابه ويذكر حكم كل قسم. لكن كرهه أبو الحسن القابسي من أئمة المالكية، وابن الصلاح، لأن ازدحام الأقسام بأحكامها على العامي يكاد يضيعه (1) .
أما إذا كان السائل غائبًا ولم يجد المفتي مَن يستفسره في ذلك كان عليه التفصيل، وليتثبت في استيفاء الأقسام وأحكامها وتحريرها (2) .
والرسول - صلى الله عليه وسلم - كان يطلب أحيانًا التفصيل، فحين جاءه ابن أُم مكتوم - رضي الله عنه - يستفتيه، هل يجد له رُخصةً أن يُصلي في بيته؟ فقال: (هل تسمع النداء؟ قال: نعم، قال: فأَجِبْ) (3) . فاستفصله بين أن يسمع النداء أو لا يسمعه (4) .
16-جواب المفتي: لا أدري: لا عيب إذا قال المفتي: لا أدري، أو: لا علمَ لي، أو: الله أعلم، ونحو ذلك، وحجة ذلك: ـ أن رجلًا أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: (يا رسول الله، أيُّ البلدان شرٌّ؟ قال: لا أدري. فلما أتاه جبريل قال: أيّ البلدان شرٌّ؟ قال: لا أدري، حتى أسأل ربي تبارك وتعالى. فانطلق جبريل فسكت ما شاء الله، ثم جاء فقال: يا محمد، إنك سألتني: أيُّ البلدان شرٌّ؟ وإني قلت: لا أدري، وإني سألت ربي تعالى فقلت: أي البلدان شر؟ فقال: أسواقها) (5) . وقال علي - رضي الله عنه: يا بَرْدَها على الكبد، إذا سُئل الرجل عما لا يعلم أن يقول: الله أعلم. وعن الشعبي أنه قال: لا أدري نصفُ العلم (6) .
(1) ابن الصلاح، أدب المفتي السابق. ونحوه عند النووي وابن حمدان السابقين. وانظر: الشيرازي، اللمع، ص255.
(2) ابن الصلاح، والنووي، وابن حمدان، السابقة.
(3) مسلم، الصحيح، ج1، ص452.
(4) ابن القيم، إعلام الموقعين، ج4، ص226، وضرب أمثلة عديدة أُخرى.
(5) أحمد، المسند، ج4، ص81، والحاكم، المستدرك، ج1، ص166.
(6) الخطيب، الفقيه والمتفقه، ج2، ص170، وضرب لذلك أمثلة كثيرة من آثار الصحابة والتابعين وأتباعهم.