ثانيًا: استفتاء العامي: والعامي إذا نزلت به نازلة، وأراد أن يستفتي عن حكمها، فإما أن يكون في البلد مفتٍ واحد أو أكثر. فإن كان فيه مفتٍ واحد وجب الرجوع إليه والأخذ بقوله، وسقط عنه فرض الاجتهاد في طلب الأعلم والأورع. قاله الآمدي (1) ، والغزالي (2) ، وذكره ابن عقيل الحنبلي ولم يَحكِ فيه خلافًا.
وإن كان في البلد أكثر من مفتٍ فهل يجب على المستفتي الاجتهاد ليعرف أعلمهم وأورعهم فيقلده دون غيره؟ في ذلك قولان:
القول الأول: يجب على المستفتي الاجتهاد في أعيان المفتين من الأورع، والأدين، والأعلم، ليقلده دون غيره. وهو قول الإمام أحمد وابن سُرَيج، واختاره القفال من الشافعية، وجماعة من الفقهاء والأُصوليين (3) ، بحجة:
أ- أن قول المفتين في حق العامي يُنزَّل منزلة الدليلين المتعارضين في حق المجتهد، وكما يجب على المجتهد الترجيح بين الدليلين، فيجب على العامي الترجيح بين المفتيين (4) .
ب- أن المستفتي يمكنه أن يجتهد بالبحث والسؤال وشواهد الأحوال، فلم يسقط عنه (5) الاجتهاد في السؤال.
(1) الآمدي، الإحكام، ج4، ص287.
(2) الغزالي، المستصفى، ج2، ص390.
(3) الآمدي، الإحكام، ج4، ص287-288، وابن الصلاح، أدب المفتي، ص160، والنووي، المجموع، ج1، ص54. وقال الغزالي في المستصفى ج2 ص391: (وقال قوم: تجب مراجعة الأفضل فإن استووا تخير بينهم، وهذا يخالف إجماع الصحابة...) . وانظر: ابن حمدان، صفة الفتوى، ص69.
(4) الآمدي السابق.
(5) ابن الصلاح، والنووي، وابن حمدان، السابقة.