الصفحة 389 من 439

الأمر الأول: أنه لا يصح شرعًا التكليف بالمستحيل، سواء كان مستحيلًا لذاته، وهو: ما لا يتصوَّر العقلُ وجودُه، ويُسمَّى بالمستحيل عقلًا وعادة: كالجمع بين النقيضين: كالنوم واليقظة، أو بين الضدّين: كأن يكون الفعل واجبًا ومحرمًا في آن واحد على شخص واحد، أو كان مستحيلًا لغيره، وهو ما لم تجر العادة بوقوعه وإن كان العقل يجوز ذلك، ويتصور وجوده ويسمَّى بالمستحيل عادة، كالطيران بلا آلة، وكتكليف الأصم السماع والأبكم الكلام، فالتكليف بالمستحيل بنوعيه تكليف بما لا يطاق؛ ولهذا لم يأت به الشرع، ولا خلاف بين الأصوليين في أن التكليف بها غير واقع شرعًا؛ لأنها غير مقدورة للمكلفين، وإلاّ كان التكليف بها عبثًا والله - جل جلاله - متنزه عن العبث.

الأمر الثاني: لا يصحّ شرعًا التكليف بالأمور الفطرية التي طبع الإنسان عليها ولا دخل له في إيجادها ولا اختيار له في فعلها: كشهوة الأكل والفرح والحزن والحب والبغض، حيث لا يصحّ تعلق التكليف بها، فلا يطالب الإنسان بإزالة ما طبع عليه كما لا يطالب بتغيير شيء من خلقته؛ لأن كلَّ ذلك غير ممكن له وخارج عن قدرته، فلا يخضع لإرادته واختياره فلا يكلف به؛ لأنه تكليف بما لا يطاق (1) ، وعلى ذلك سائر الأمور الوجدانية والقلبية التي تستولي على النفس ولا يملك الإنسان دفعها.

(1) الآمدي، الإحكام، ج1، ص124، والشوكاني، إرشاد الفحول، ص 9.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت