الصفحة 390 من 439

ولهذا جاء في الحديث الشريف عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في قسمه بين أزواجه: (اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تؤاخذني فيما تملك ولا أملك) (1) ، يعني في الميل القلبي لبعض أزواجه أكثر من البعض. وكذلك الحديث الشريف: (لا تغضب) (2) ليس المراد منه النهي عن ذات الغضب إذا تحققت موجباته، وإنما النهي منصب على الاسترسال في الغضب، وعلى الاندفاع في قول أو فعل لا يجوزان؛ إذ عليه أن يصمت ويسكت حتى تنطفئ جمرة الغضب في نفسه، كما أن على الإنسان أن يتجنب عمّا يثير غضبه إذا عرف من نفسه الغضب وعدم القدرة على ضبطها.

ويلاحظ هنا أن الميولَ القلبية وإن كانت لا تدخل تحت التكليف كما في حب الشخص لإحدى زوجاته أكثر من الأخرى، وكحب الأب بعض أولاده أكثر من الآخرين، إلاّ أن عليه أن يعدل بين أولاده أو بين زوجاته وأن يعطي كل ذي حقّ حقه؛ ولهذا لا يجوز أن يؤثر الأب بعض أولاده بالعطيّة؛ لأن في هذا الإيثار إيحاشًا للآخرين وإلقاء العداء بين الأخوة؛ ولهذا جاء النهي عنه (3) .

وعلى ذلك فإن ما ورد من النصوص الشرعية التي توهم بظاهرها إمكان التكليف بشيء مما لا قدرة للمكلف على فعله أو تركه فهو مصروف ومؤول لا محالة عن ظاهره لا يؤاخذ المكلف به، و يكون المراد منه التكليف بما يسبق ذلك الشيء من سبب أو يعقبه من نتيجة وثمرة، يقول الشاطبي: (( إذا ظهر من الشارع في بادئ الرأي القصد إلى التكليف بما لا يدخل تحت قدرة المكلف فذلك راجع في التحقيق إلى سوابقه أو لواحقه أو قرائنه ) ) (4) .

(1) أبو داود، السنن، ج1، ص648، والدارمي، السنن، ج2، ص193، والحاكم، المستدرك، ج2، ص204، وصححه.

(2) البخاري، الصحيح، ج5، ص2267، ومالك، الموطأ، ج2، ص905.

(3) الآمدي، الإحكام، ج1: 124، والشوكاني، إرشاد الفحول، ص 9.

(4) الشاطبي، الموافقات، ج2، ص76 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت