الصفحة 391 من 439

الأمر الثالث: التكليف بالشاق من الأعمال: سبق بيان اشتراط أن يكون الفعل المكلف به مقدورًا عليه: أي في قدرة المكلف أن يفعله أو يتركه، فهل يشترط في هذا الفعل أن لا يكون شاقًّا؟

من الثابت أن الفعل الذي يدخل تحت قدرة المكلف وفي نطاق استطاعته لا يخلو عن نوع مشقة، بل لا يتحقَّق التكليف إلاّ بوجود شيء منها؛ لأن التكليف هو إلزام بما فيه كلفة ومشقة، غير أن المشقة نوعان:

محتملة في حدود الاستطاعة البشرية.

وزائدة عن التحمل البشري عادة.

فالمشقة المحتملة هي ما كانت مقدورة للإنسان وفي استطاعته أن يفعلها وأن يداوم عليها من غير ضرر يلحقه في نفسه أو ماله، والتي جرت عادة الناس على احتمالها والاستمرار عليها وتدخل في طاقة المكلف.

وهذه المشقة أشبه ما تكون بالمشقات التي يحتملها الموظف في أداء واجبات وظيفته، والعامل في عمله، والمزارع في زراعته، والطالب في استذكار دروسه، فمثل هذه المشقة لا يقصد الشارع إلى رفعها، بل لا بد منها في التكاليف الشرعية، فالصلاة والزكاة والحج ونحوها من كل ما أمر به الشارع أو نهى عنه لا تخلو عن نوع مشقة وصعوبة على نفس المكلف، لكنها مشقة محتملة في حدود الاستطاعة البدنية، فهذه المشقة الموجودة في التكاليف والتي تشتمل عليها مأمورات الشارع ونواهيه ليست مقصودة للشارع في ذاتها، وإنما المقصود ما يترتب عليها من جلب المصالح ودفع المضار المتوقعة منها للحفاظ على مقاصد الشريعة الضرورية والحاجية والتحسينية (1) .

(1) الشاطبي، الموافقات، ج2، ص4 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت