الصفحة 392 من 439

فيلزم المكلف تحمل هذه المشقة لتحقيق هذه المصالح، فليس المقصود من الصلاة إرهاق البدن أو كدّ الفكر، وإنما المقصود تهذيب النفس وخضوعها لله - جل جلاله -، وتربيتها على روح الإخاء والمساواة، وهكذا سائر الأعمال التي كلّف الله - عز وجل - الناس بها لم يكلفهم بها لما فيها من المشقة والتعب، بل لما يترتب عليها من صلاح حالهم وسعادتهم في الدنيا والآخرة، فيجب على المكلف أن يتحرَّى مقاصد الشريعة في التكليف وأن لا يقصد مجرَّدَ المشقات التي فيها، ومَن فعل ذلك ظانًّا زيادة الأجر والتقرب فقد أخطأ ولا أجر له، ولكن له أن يقصد العمل الذي يعظم أجره وتعظم مشقته (1) .

أما المشقة الزائدة عن التحمل البشري، وهي التي لا يمكن للإنسان أن يستمر على تحمّلها عادة إلاّ ببذل أقصى الجهد، فهي مشقة خارجة عن معتاد الناس، ولو كلّفوا بها لانقطعوا عن كثير مما كلّفوا به من الأعمال الضرورية التي لا بد منها في قيام مصالح الدّنيا، وأصيبوا بالضرر والأذى، وهذا يتنافى مع مقاصد الشريعة (2) ، مثل: الرهبنة، والوصال في الصيام، والمداومة على قيام الليل، وأداء الحج سيرًا على الأقدام، وما أشبه ذلك.

فهذه المشقة التي تصاحب هذه الأعمال لا يكلف الشارع العبد بها، ونصّ الشارع على النهي عن قصد مثل هذه المشقة، ومنع الناس اللجوء إليها؛ لأن قصد الشارع من التشريع رفع الضرر عن الناس وعدم إعناتهم، وفي التكليف بما هو مشقة جاهدة إضرار بهم وإلزام لهم بما ليس في وسعهم، والله لا يكلّف نفسًا إلاّ وسعها، وقد وردت نصوص كثيرة تؤكد رفع الحرج والعسر في التكاليف، وأن الله أراد التيسير والتخفيف عنّا في الأوامر والنواهي الشرعية دون أن يصيب المسلم إرهاق وإعنات منها.

(1) المصدر السابق،ج2، ص91 .

(2) الشاطبي، الموافقات، ج2، ص84، أبو زهرة، أصول الفقه، ص 305.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت