فهرس الكتاب
فالحكمةُ من رفع الحرج وعدم المشقة في التكاليف هو التخفيف عن العباد والرغبة في استمرار المكلف بها، وألا يتطرق إليه انقطاع في الطريق وبغض للعبادة وكراهية للتكاليف، وألاّ تشغله عن أعماله الأخرى، وهذا النوع من المشقة لم يرد في التكاليف إلا استثناء، وفي أحوال خاصة لمقاصد معيّنة وبشروط معينة مثل: الصبر على العذاب، والقتل عند الإكراه على الكفر، وغير ذلك من العزائم الشديدة التي تتضمن مشقة كبيرة على المكلف، وهذه المشقة ليست مقصودة أيضًا، ولكن تبذل في سبيل الحفاظ على أمر هام، ولدفع ضرر أشدّ.
وإذا حصلت مثل هذه المشقة في التكاليف الشرعية لعارض ما فقد شرع - جل جلاله - الرخصة ورغب في ترك العزيمة: (إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحبّ أن تؤتى عزائمه) (1) ، كما في مشقة الصيام للمريض والحامل والعاجز والمرضع، فرخص الله - جل جلاله - لهم في الإفطار، وكما في المشقة والضرر في استعمال الماء للطهارة فرخَّص الشارع في التيمم, وغير ذلك من الرخص التي تجمعها القاعدة الفقهية: (( إباحة المحظورات عند الضرورات ) ).
المطلب الثالث: المحكوم عليه (المكلّف) :
وهو الشخص الذي تعلَّق خطاب الله - جل جلاله - بفعله، ويسمى عند الأصوليين بالمكلَّف، وقد اشترط الأصوليون لصحة التكليف شرطين هما:
(1) ابن حبان، الصحيح، ج2، ص69، والبيهقي، السنن الكبير، ج3، ص140، وغيرهما.