الصفحة 395 من 439

فمَن بلغَ مستكملًا لعقله فقد تحققت فيه القدرة على أن يكلّف ويتوجّه إليه الخطاب، ويعرف ذلك بما يصدر عنه من الأفعال، فالبلوغُ يكون بتحقق العلامات الطبيعية التي تظهر على جسم الذكر والأنثى: كالإحتلام والحيض لقوله - جل جلاله: { وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ } [النور:59] ، ولقوله - صلى الله عليه وسلم: (رفع القلم عن ثلاث: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل) (1) .

فإن لم تظهر علامات البلوغ الطبيعية بالاحتلام أو الحيض فيقدر البلوغ بالسنّ، والتقدير بالسنّ مختلفٌ فيه حيث ذهب الجمهور من الشافعية والحنابلة والصاحبان من الحنفية إلى أن سنّ البلوغ خمس عشرة سنة للذكر والأنثى، بينما ذهب أبو حنيفة إلى أنه سبع عشرة سنة للأنثى وثماني عشرة سنة للذكر (2) .

فمتى بلغ الإنسان الحلم فقد تحقق شرط التكليف، وتمكن من معرفة خطاب الشارع وإدراك معناه وتوجيه القدرة والإرادة إلى تنفيذ مضمونه والالتزام به، أما إذا بلغ الإنسان الحلم مجنونًا فيكون الجنون مؤشرًا حقيقيًا؛ لفقدان العقل الذي يتعلّق به التكليف، وبالتالي فلا يُكلَّف المجنون. وكذلك الصبي قبل البلوغ لا يكلّف بالخطاب وإن توفَّرَ فيه العقل بعد التمييز، ولكنه دون المستوى المطلوب لإدراك الخطاب (3) .

وكذا الغافل والنائم والسكران لا يكلّفون في حالة الغفلة والنوم والسكر؛ لأنهم حين تلبسهم بهذه الأوصاف ليس في استطاعتهم الفهم والإدراك فلا يفهمون أدلة التكليف فلا يخاطبون بها، والدليل على ذلك حديث: (رفع القلم) السابق ذكره.

(1) الحاكم، المستدرك، ج4، ص389.

(2) مدكور، مباحث الحكم عند الأصوليين، ص 262.

(3) الزحيلي، أصول الفقه، ص396.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت