الصفحة 398 من 439

وقد أثبت جمهور الفقهاء مبنى أهلية الوجوب وسمّوه بالذمة، وهي العهد لغة (1) . وقد عرفوها بأنها وصف يصير به الإنسان أهلًا لما له ولما عليه، وهي خاصة بالإنسان (2) لقوله - جل جلاله: { وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى... } [الأعراف: 172] ، وقوله: { إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الأِنْسَانُ } [الأحزاب: 72] ، فهذه الآية دليلٌ واضحٌ على خصوصيّة الإنسان بحمل أعباء التكليف أي وجوبها عليه (3) .

وقد قرَّر العلماء اعتبار الذمة لتكون محلًا لأهلية الوجوب: أي لوجوب الحقوق التي تثبت للإنسان ولزوم الواجبات عليه ابتداء من حالة كونه جنينًا في بطن أمّه وانتهاء بوفاته، ولم يجعلوا بدل الذمّة العقل محلًا تناط به الحقوق، فثبت أن مناط هذه الأهلية غير العقل، وأنها مع مناطها وهو الذمة من خطاب الوضع دون خطاب التكليف، كما صرَّح بذلك الإمام القرافي بقوله: (( الذي يظهر لي وأجزم به أن الذمة وأهلية التصرف من باب خطاب الوضع دون خطاب التكليف ) ) (4) ، وهذا هو المشهور بين جمهور الأصوليين من تعريف الذمة وبيان العلاقة بينها وبين الأهلية واعتبارها مناطًا ومبني لأهلية الوجوب، فتتحقق مع حياة الإنسان (5) .

(1) الفيومي، المصباح المنير، ج1، ص286.

(2) صدر الشريعة، التوضيح على التنقيح، ج2، ص262.

(3) التفتازاني، التلويح على التوضيح، ج2، ص321.

(4) القرافي، الفروق، ج3،ص235، 236.

(5) الغزالي، المستصفى، ج1، ص84، والتفتازاني، التلويح، ج2، ص323.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت