وقد وجد التفاوت في نسبية الخير والشر على اختلاف الحضارات، و في مسميات العقوبات، والجوائز، ولكن اتفق في جميع المراحل على وجود نصاب من الخير يسعى إليه الجميع، وتذلل في سبيله العقبات، و يكافي من يصل إليه بأعلى الدرجات الاجتماعية، و نصاب من الشر لابد لمن يصيبه العقاب.
ونشير إلى أمثلة مقتبسة من تاريخ البشرية توضح العمق البين بين الحضارات البشرية في اهتماماتها التربوية، والتي نشأت من الاختلاف في القيم التي أرادت أنشاء شعوبها عليها فمثلًا:"اهتمت اسبرطة -وهي مدينة إغريقية كان لها شأن في الماضي البعيد -بتأكيد فضائل النفس والطاعة والتضحية والتحمل والشجاعة .. وكل ذلك مغلف في رداء عسكري صارم أراده ساستها وفرضوه على مواطني اسبرطة، في حين نجد في مجتمع آخر تنحسر النزعة الدينية وتخلى المجال للعناصر الخلقية والفنية كما كان الحال في بلاد فارس القديمة، وفي غيرها من بعض المجتمعات الآسيوية نجد أن الصين القديمة سلطت الأضواء على المحتوى الإنساني في الثقافة، كما أن الهند الإبراهيمية مجدت القيم الدينية والفلسفية، وفي مصر الفرعونية صار الإهتمام إلى القيم الدينية والمهنية ..." [1] .
إذا في كل مجتمع توجد مجموعة من الآراء والأفكار والنظريات الصائبة من وجهة نظر فلاسفة وعلماء وأصحاب الرأي لذلك المجتمع، ويقوم هؤلاء بتقعيدها وحث الناس على التمسك بها أو الابتعاد عنها، وهذا هو ما يعرف بتربية المجتمع، فالتربية توجد في مجتمع معين له ثقافته وفكره الذي يوجه حياته، هذه الحياة التي نحكمها بمجموعة من القواعد والمعاير التي هي جزء من ثقافة المجتمع التي يعبر عنها.
و الفكر التربوي يتأثر بدرجة كبيرة بأبعاد المجتمع الديني، و الثقافي، والحضاري، والاقتصادي، ولهذا فإن أي فكر تربوي إنما يعبر عن وجهة نظر اجتماعية أو بعبارة أخرى يكون هذا الفكر انعكاسا لفكر المجتمع.
الفطرة في الرابط بين الفرد والمجتمع:
فطن البشر بعد مراحل من التاريخ أن من المهم أولا تربية الفرد ومن ثم تربية المجتمع"يقول لينتون؛ [2] إن فهم الدور المزدوج للفرد كفرد وكوحدة في مجتمع، سوف يعطينا مفتاح الحل لمشكلة السلوك البشري" [3]
إذًا التربية ضرورة فطرية للفرد والمجتمع على حد سواء، فكل مجتمع يحتاج إلى حث النفوس وشحذ العقول نحو أهداف محددة كما أسلفنا لدفع المجتمع لاعتناق هذه الأفكار ومن ثم العمل على تحقيقها لبناء الأرض التي قد استخلف فيها.
ومما لا شك فيه أن هذه الآراء والأفكار والأهداف كلما كانت مستقاة من الكتب الإلهية الصحيحة الغير محرفة على مدار التاريخ البشري تكون التربية لذلك المجتمع أقوم، وبالتالي الوصول إلى بناء مجتمع متوازن، يحقق الاستقرار لأفراده كان أكثر توكيد وأقرب، ولو نظرنا حولنا لوجدنا أن أفضل مجتمع حقق التقدم في
(1) تطور الفكر التربوي، الدكتور سعد مرسي أحمد (عالم الكتاب، الطبعة الثانية عشر،1425هـ2004م) ص28
(2) جاء في موسوعة الجياش، لينتون رالْف عالم أمريكي متخصص في علم الإنسان طوّر مفهوم المرتبة ومفهوم الوظيفة، وهما من المفاهيم التي يستعملها كثير من علماء الاجتماع.، ولد لينتون في فيلادلفيا، وفي أثناء دراسته للدكتوراه في جامعة هارفارد، قام بأبحاث في آثار بولينيزيا. وفي الفترة بين عامي 1925م و1927م عاش في مدغشقر ودرس ثقافة المنطقة، ثم التحق فيما بعد بهيئة التدريس بجامعة وسكنسن، وجامعتي كولومبيا، وييل.
(3) تطور الفكر التربوي، ص33