الصفحة 48 من 77

ولا يعني اختياري لهذه الأساليب فقط أن القرآن الكريم قاصر عليها بل إن القرآن الكريم راع جميع أنواع الدوافع، وحقق كل الأساليب التي تتناسب مع الفطرة الإنسانية، ولكني اقتصرت على هذه الأساليب؛ لأن البحث لا يحتمل الإطالة وما هذه الأساليب إلا قطرة أو أقل في بحر أساليب القرآن الكريم التربوية، قال تعالى {: قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا} :سورة الكهف 19/ 109

الفوائد التربوية من أسلوب الخطاب الوجداني:

تحديد نقطة التأثير، ونوع الانفعال قبل اختيار الأسلوب التربوي:

فعلى من أراد أن يحتذي بأسلوب القرآن الكريم في التربية التأمل والتوقف مطولا للبحث في الصفة الانفعالية في الشخص والتي أسميناها سابقا (مفتاح الشخصية) ، ومن ثم إثارتها ثم حثها لاعتناق الفكرة المرجوة.

الاستفادة من التكرار:

تحديد الهدف، والاستمرارية في الدعوة إليه مع تغير الأساليب من وقت لأخر يؤدي بعد توفيق الله تعالى إلى تحقيق الغاية المطلوبة، وقد استخدم القرآن الكريم التأثير الوجداني في الدعوة للشيء، ثم إعادة الدعوة إليه في مواطن متنوعة من آيات القرآن الكريم لضمان ثبوتها في النفوس وعدم زوالها، فنجد أن الموضوع الواحد قد ورد ذكره في أكثر من موضع في القرآن الكريم وقد تنوعت الأساليب التي قامت بمعالجته وبيانه والدعوة إليه.

من أمثلة هذا الأسلوب:

نوع القرآن الكريم في أساليبه الخطابية لإثارة كافة الانفعالات النفسية التي تؤدي بصاحبها إلى الاستجابة، وتثير مكامن الوجدان بأسلوب سهل بسيط يتسلل إلى داخل الإنسان فيقر في قلبه أن هذا القرآن و من عند الله.

قال تعالى: {فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا * ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا * فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا * وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا * وَحَدَائِقَ غُلْبًا *وَفَاكِهَةً وَأَبًّا * مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ} سورة عبسى،80/ 32:24

يعرض القرآن الكريم في هذه الآيات على كفار مكة مشاهد محسوسة و معروفة تطالع حواسهم في كل لحظة، وتواجه بديهتهم في كل نظرة، وتتصل بحياتهم ومعيشتهم، وتلمس شعورهم، ووجدانهم، وهو يوجههم إلى هذه المشاهد يعرضها عليهم كأنها مشاهد جديدة، يدعوهم للتأمل فيها، والتفكر بأحوالها بنظرة جديدة تقود إلى الإيمان، والوحدانيةفهو يقوم بعرض قضية كبرى؛ هي قضية التوحيد بأسلوب بسيط بدهي لا يملك أمامها المجادل إلا السكوت.

وكون الأسلوب التربوي في الخطاب الوجداني دليل على الإعجاز التأثير في القرآن _كما أسلفنا_يرشدنا إلى أن جميع الانفعالات التي يحتاج المربون لإثارتها في النفس البشرية عند إرادة معالجتها بما يصلحها يمكن اقتباسها من أسلوب الخطاب الوجداني القرآني، لأنه الأسبق في العلاج، والأوضح في المنهاج، وأسلوب الخطاب الوجداني هو أسلوب شامل لجميع الأساليب التي تقوم على تلبية الحاجات الفطرية، والنفسية وستكون سنقوم المباحث القادمة _إن شاء الله _كالنماذج على تنوع أسلوب الخطاب الوجداني وشموليته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت