والتمهيد بل لا بد من تسوية أمر المعاش من المأكل والمشرب حتمًا وإما لأنها حال من فاعله بإضمار قد عند الجمهور كقوله: (أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ) [1] أو بدونه عند الكوفيين [2] والأخفش. [3]
ويرى ابن عاشور [4] أن جملة (أخرج منها ماءها ومرعاها) بدل اشتمال من جملة (دحاها) لأن المقصد من دحوها بمقتضى ما يكمل تيسير الانتفاع بها. ولا يصح جعل جملة (أخرج منها ماءها إلى أخرها بيانًا لجملة ودحاها) لاختلاف معنى الفعلين. وتفسير أبن عاشور هذا يمكن أن يحمل عليه المعاني الحديثة لقوله دحاها لأن (دحاها) معنى يختلف عن معنى الإخراج فهو معنى يشمل جميع ما ذكره العلماء أما الإخراج فهو جزء من هذا الدحو والدليل على هذا قول ابن عاشور: وفي قوله (والأرض بعد ذلك دحاها) إلى (ولأنعامكم) محسّن الجمع ثم التقسيم). [5]
وأما قولهم على من فسر معنى الدوحة في هذه الآية (دحاها) بالبيضة فلا يخفى من أن الفعل الثلاثي دوح يختلف عن الفعل الذي اشتقت منه وهو (دحو) وليس دوح ومن هنا يتبين لنا أن الآية تدل على معانٍ كثيرة بتعبير قرآني معجز من غير الحاجة إلى إدخال معانٍ أخرى لا يتحملها النص القرآني هنا قد يشير إليها نصٌ آخر بالإشارة الواضحة مثل كروية الأرض وغيرها من المعاني.
وشبيه معنى دحاها قوله تعالى: (طحاها) في قوله تعالى: (وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا) [6] فقد ذكر الخليل [7] أن الطحو: شبه الدحو، وهو البسط وفيه لغتان طحا يطْحُو وطَحَى يَطْحَى. وطحا بك همك أي ذهب بك في مذهب بعيد وقال سألت أبا الدُّقيش عن المدومة الطّواحي فقال هن نسور تستدير حوالي القتلى.
وجاء في اللسان [8] أن الفراء قال: طحاها ودَحاها واحدٌ كما ذكر ابن منظور قول شمر في معنى الآية: (والأرض وما طحاها) ومَن دحاها فأبدل الطاء من الدال كما أشار إلى معانٍ أخرى للفعل طحا فقد ذكر أبو زيد أنه يقال للبيت العظيم: مظلة مطحوة ومطحية وطاحية وهو الضخم. وأورد عن ابن دريد والقوم طحا بعضهم بعضًا أي دفع. وذكر أيضًا قول بعض العرب في يمين له: لا والقمر الطاحي أي
(1) النساء / 90.
(2) الكوفيين.
(3) معاني القرآن للأخفش 1/ 244.
(4) التحرير والتنوير 30/ 87.
(5) المصدر نفسه 30/ 88.
(6) الشمس /6.
(7) العين (طحو) 3/ 277.
(8) لسان العرب (طحو) 15/ 4 - 5.