الصفحة 163 من 372

لو دارت الأرض حول نفسها أبطأ مما تدور لهلك الناس من حرٍ وبرد. وسرعة دوران الأرض حول نفسها، هذه السرعة القائمة الكائنة اليوم، هي سرعة توافق ما على الأرض من حياة حيوانية نباتية بأوسع معانيها.

لولا دوران الأرض حول نفسها لفرغت البحار والمحيطات من مائها. [1]

فالأرض رغم حركاتها الهائلة في آن واحد وهي معلقة في الفضاء إلا أنها قد جعلت مستقرا جد صالح للحياة دون اضطراب وبلا اختلال ومن غير الإحساس بالخوف والذعر نتيجة ذلك الوضع المتحرك. [2]

الضابط اللغوي في التفسير العلمي:

الخطاب في هذه الآية عام المراد به العموم كما ذكر الزركشي [3] فالمخاطبون في العصر النبوي كانوا يرون الأرض مستقرا للحياة صالحًا على وجه الإجمال [4] .

وقد فسر القدامى هذين الآيتين بما يلائم ما وصلت إليه علومهم ومشاهداتهم الحسية التي لا تخفى على عامتهم. ثم يبقى النص بعد ذلك مفتوحًا للأجيال، وكلما أتسع علم البشر أدركوا شيئًا من معناه الضخم المتجدد على توالي الأجيال. وتلك معجزة القرآن في خطابه لجميع العقول، وعلى توالي الأزمان. [5]

ومع تحمل القرآن تلك المعاني فإنه لا يجوز حمل معاني القرآن التي لا توافق الحقيقة فلا يجوز مثلًا في هذه الآية حمل لفظ القرار على أن الكرة الأرضية مستقرة ساكنة فهذا الكلام من اجتهاد المفسرين. أما إذا حملنا لفظ الأرض بمعنى القارات فالأرض قارة لا تميد وليس المقصود هنا سكون الكرة الأرضية؛ لأن القرآن لا يقول إلا الحق (ومن أصدق من الله قيلا) . [6]

أما القرار: فهو مصدر قَرّ، إذا ثبت وسكن ووصف الأرض به للمبالغة: أي ذات قرار وقد تمكن هذا المصدر من التعبير عن هذه المعاني العظيمة التي ذكرها العلماء في جميع العصور.

وأما أسلوب الخطاب في قوله (أم من جعل الأرض قرارا) قيل هو بدل من أمن خلق السماوات والأرض إلى آخر ما بعدها من الجمل الثلاث وحكم الكل واحد وقال بعض الأجلة: الأظهر أن كل واحدة منها إضراب وانتقال من التبكيت بما قبلها إلى التبكيت بوجه أخر وهذا هو قول أبي السعود [7]

(1) ينظر في ظلال القرآن 5/ 3029 - 3094 وينظر مع الله في السماء 68 - 91.

(2) ينظر القرآن إعجاز يتعاظم 133، ملامح كونية في القرآن 52 - 59.

(3) البرهان في علوم القرآن 2/ 217.

(4) ينظر في ظلال القرآن 5/ 2657.

(5) ينظر المصدر نفسه الورقة نفسها.

(6) النساء / 122.

(7) إرشاد العقل السليم 6/ 264.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت