أما أبن عاشور [1] وسيد قطب فقد فسرا هذه الآية تفسيرًا موافقًا لما وصل إليه العلم الحديث فقد ذكر الأول أن المعنى جعل الأرض ثابتة قارة غير مضطربة. وهذا تدبير عجيب ولا يدرك تمام هذا الصنع العجيب إلا عند العلم بأن هذه الأرض سابحة في الفضاء متحركة في كل لحظة وهي مع ذلك قارة فيما يبدوا لسكانها فهذا تدبير أعجب، وفيه مع ذلك رحمة ونعمة، ولولا ذلك لكان الناس متزلزلين مضطربين ولكانت أشغالهم معنتة لهم. وقال أيضًا في موضوع آخر عند تفسيره لسورة غافر أن المعنى يحتمل: أنه جعلها قارة غير مائدة ولا مضطربة فلم تكن مثل كرة الهواء مضطربة متحركة ولو لم تكن قارة لكان الناس في عناء من اضطرابها وتزلزلها، وقد يفضي ذلك بأكثرهم إلى الهلاك. ويحتمل أن المعنى جعل الأرض ذات قرار، أي قرارًا لكم أي مستقرًا لكم أي خلقها على كيفية تلائم الاستقرار عليها بأن جعلها يابسة غير سائلة ولو شاء لجعل سطح الأرض سيالا كالزئبق أو كالعَجَل فلا يزال الإنسان سائحًا فيها يطفو تارة ويسبح أخرى فلا يكاد يبقى على تلك الحالة: كما في بعض المناطق المسماة (شط الجريد) [2] فإن فيها مسافات إذا مشت فيها القوافل ساخت في الأرض فلا يعثر عليها ... فكانت هذه الأرض دالة على عظيم قدرة الله. [3]
أما سيد قطب فقد اعتمد في تفسيره على ما ذكره أهل العلم وذكر دلائل علمية كثيرة نذكرها في التفسير العلمي.
التفسير العلمي لهاتين الآيتين:
ذهب البعض ممن فسر الآيتين تفسيرًا علميًا أي أن قوله تعالى في جعل الأرض قرارًا إشارة إلى الجاذبية الأرضية التي بها تستقر الأشياء على الأرض وبذلك أمكنت الحياة عليها. ولولاها لاستحالت الحياة. [4]
أما سيد قطب فقد ذكر أن هناك آلاف الموافقات في تصميم هذا الكون لو أختل واحد منها أدنى اختلال ما كانت الحياة في صورتها هذه التي نعرفها والأرض قرار صالح لحياة الإنسان بتلك الموافقات الكثيرة نذكر هنا لمحات خاطفة تشير إلى بعض نواحي الارتباط في تصميم هذا الكون وعلاقته بحياة الإنسان ... مجرد لمحات تسير مع اتجاه هذه الإشارة المجملة في كتاب الله ...
(لو كانت الأرض لا تدور حول نفسها في مواجهة الشمس ما تعاقب الليل والنهار .. ) لو دارت الأرض حول نفسها أسرع مما تدور لتناثرت المنازل، وتفككت الأرض وتناثرت هي الأخرى في الفضاء ...
(1) التحرير والتنوير 20/ 13.
(2) (شط الجريد) الفاصل بين نقطة ونفزاوة من جنوب التونسي فإن فيها مسافات إذا مشت القوافل ساخت في الأرض ولا يعثر عليها ولذلك لا تسير فيها القوافل إلا بهداة العارفين بمسالك السير في علامات منصوبة. التحرير والتنوير 24/ 190.
(3) ينظر التحرير والتنوير 24/ 189 - 190.
(4) ينظر قصة الإيمان 318، الإشارات العلمية في القرآن الكريم / محمد وفا الأميري 38.