وقيل اسم جنس أو اسم آلة لما يكفت أي يضم ويجمع. وهذه الأوجه توافق التفسير العلمي الحديث إذا عرفنا أن الكرة الأرضية هي التي تجذب هذه الأحياء والأموات بل يمكن وصف الأرض بالمصدر دلالة على المبالغة في كفت الأحياء والأموات فهي ذات كفات وهو ما وصل إليه العلم الحديث فالأرض جامعة فيها كل ما فيها من موجودات والمحافظة عليها بذلك الغلاف الجوي الذي يحيط بها من كل جانب ويمنع من الخروج والدخول إليه فهي كما قال أهل المعاجم حينما قالوا جراب كفيت أي لا يضيع شيئًا فالكفات الموضع الذي يكفت فيه شيء وكما فسر الراغب الكفت بالقبض والجمع وقد أحكمت الأرض قبضتها على كل ما فيها من الموجودات الحية وغير حية فلا يدخل فيها ولا يخرج إلا بإذنه تعالى.
كما دل هذا اللفظ على السرعة البالغة في حركاتها المتعددة ولم يفسر العلماء القدماء بهذا المعنى كما فسر به المحدثون لعدم معرفتهم بهذه الحركات السريعة والمتعددة فهذا اللفظ أعطى للآية مدلولات أوسع بقدر ما وصل إليه العلم الحديث.
أما قوله تعالى (أحياء وأمواتًا) فقد اختلف أهل العربية في الذي نصب أحياء وأمواتًا فقال بعض نحويي البصرة نصب على الحال وقال بعض نحويي الكوفة بل نصب ذلك بوقوع الكفات عليه كأنك قلت ألم نجعل الأرض كفات أحياء وأموات فإذا نونت نصبت كما يقرأ من يقرأ (أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيمًا ذا مقربة) وهذا القول الأخير أقرب إلى الصواب وأظهر عند الطبري [1] والآلوسي. [2]
أما تنكير قوله أحياء وأمواتًا فهو من تنكير التفخيم، كأنه قيل: تكفتُ أحياء لا يعدون، وأمواتًا لا يحصرون. [3] وجوز بعضهم أن يكون للتبعيض بإرادة أحياء الإنس وأمواتهم وهم ليسو بجميع الأحياء والأموات ولا ينافي ذلك التفخيم نظرًا إلى أنه بعض غير محصور كثير في نفسه. [4] غير أن التفسير العلمي لا يحصر هذا التنكير بالإنس لأن الجاذبية تكفت جميع الموجودات الحية والميتة كما لا تحصر قوله تعالى أمواتًا بالحي الذي يموت بل هو كناية عما ينبت وما لا ينبت فالحي هو الذي ينبت والميت هو الذي لا ينبت كما ذكر الأخفش وأبو عبيدة والزركشي [5] ، ولم يحصر سياق الآية بأحياء الإنس وأمواتهم فلم يقل (الذي جعل لكم الأرض كفاتًا) بذكر (لكم) في خطاب الإنس كما وجدناه في بعض الآيات فاحتملت معاني أوسع مما لو ذكر الضمير وخصوصًا أن الجمادات لا تحس وتشعر كما في الأحياء ومما يؤكد أيضًا صحة إطلاق الميت على الجمادات نجد في بعض التفاسير [6] تفسير قوله تعالى
(1) جامع البيان 29/ 238.
(2) روح المعاني 29/ 175.
(3) ينظر الكشاف 4/ 203،التفسير الكبير 30/ 241 - 242.
(4) روح المعاني 29/ 175.
(5) ينظر البرهان في علوم القرآن 1/ 303 وينظر الجامع لأحكام القرآن 19/ 161.
(6) ينظر تفسير القرآن الكريم 1/ 357.