(تخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي) [1] لإخراج الأحياء من الجمادات لذا فقوله ميت هو كناية عن الجمادات فيخرج الزرع من الحب والحب من الزرع والدجاجة من البيضة والبيضة من الدجاجة، وما جرى هذا المجرى من جميع الأشياء.
أما إذا انتقلنا إلى أسلوب الآية فسوف نجد أسلوبها يحتج بما هو محس ومشاهد تتضح صورته أكثر وأدق بازدياد علمنا بتلك المشاهد المحسوسة لينتقل بنا إلى ما هو غيبي ونستدل بتلك الآيات على عظمة الخالق وقدرته وعلى ما سنلاقيه ما بعد الموت.
ومن الناحية الفنية وما يتعلق بهذه الآية يوضح لنا سياق السورة المتقدم مشهدا محسوسا لحفظ حياة الإنسان وهو في ذلك القرار المكيف الذي يحيط به من كل جانب وهو في تلك النشأة ومراحلها الدقيقة الموحية بالحكمة العليا التي تتولى كل شيء بقدره في إحكام مبارك جميل وذلك في قوله: (أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ * فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ * فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ *) . [2]
ثم ينتقل إلى مرحلة تالية في الأرض التي تضم أبناءها إليها أحياء وأمواتا وقد جهزت لهم بالاستقرار [3] ، وكما قال الرازي كانوا يسمون الأرض أما لأنها ضمها للناس كالأم التي تضم ولدها وتكفله. [4] ولكن صورة هذا الضم والحفظ تزداد دقة واتساعًا بازدياد علمنا بعلوم الأرض فالأرض تحيط بالإنسان من جميع جوانبه بل هو في داخل ذلك الغلاف الجوي الذي تمسكه جاذبية الأرض كما كان محاطًا في مراحله الأولى بذلك القرار المكين (وجامعة له لما يحتاج إليه في حياته من مأكل ومشرب كل ذلك يخرج من الأرض الجامعة لمصالحه والدافعة للمضار) . [5]
نقص الأرض من أطرافها:
قال تعالى: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) . [6]
وقال تعالى: (بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ) . [7]
الأطراف في اللغة:
قال الخليل [8] : أطراف الأرض نواحيها، الواحد طَرَف ومُنْتهَى كلَّ شيء طَرَفُه.
(1) آل عمران /27.
(2) المرسلات / 20 - 23.
(3) ينظر في ظلال القرآن 6/ 3790.
(4) التفسير الكبير 30/ 772.
(5) ينظر المصدر نفسه 30/ 241.
(6) الرعد / 41.
(7) الأنبياء /44.
(8) العين (طرف) 7/ 414.