الصفحة 176 من 372

والحقيقة أنه يمكن حمل اللفظ على الحقيقة والمجاز كما سماه الزركشي بالتضمين وقد ذكرنا ذلك سابقًا. وقد حمل المفسرون العلميون لفظ الأرض على المجاز أيضًا وذلك كما فسر القدماء بنقص بركات الأرض وثمارها والمتمثل حاليًا بظاهرة ازدياد التصحر وغير ذلك من النتائج البيئية الخطيرة التي يرجع سببها إلى التلوث البيئي الذي قام به الغربيون بفعل مصانعهم دون أن يكترثوا بما سيصيب البيئة من مخاطر. كما أن لفظ الأطراف يمكن أن يحمل معنى الحافة كما نجد في عملية التصحر أو الطائفة من الشيء كما ذكر المعجميون ولا يحفى أثر الأمطار الحامضية بفعل المصانع على تلوث البيئة وموت النبات وكذلك المخاطر الصحية على الإنسان. فكل هذه المعاني يقع فيما على الأرض وليس على ذاتها.

وقد عبر القرآن الكريم عن طرفي الأرض بالجمع بقوله (أطرافها) والواقع أن هذه اللفظة تقتضي فكرة عن شكل الأرض، فأي شكل هو؟ ... إن الأرض لا توحي صراحة بالشكل الخيطي في الفضاء أو بشكل مسطح أو مسدس أو مربع أو مثلث .. الخ إذن أن أقل نتوء في مساحتها يوحي بداهة بفكرة الأبعاد الثلاثة، وبالتالي بشكل هندسي ممتد في الاتجاهات الثلاثة، ولكن جميع الأشكال الهندسية في الفضاء لا تتفق مع فكرة (الأطراف) فأقرب الأشكال إلى التصور- حين يأخذ في اعتبارنا اللفظ المكمل (إنقاص الأطراف) ، وحين نساير معارف الهندسة الأرضية عن (دحو القطبين) فهذا التوافق الذي يخص شكل الأرض ودحو قطبيها، تلك الخاصة المساحية التي أثبتها العلم الحديث وقد ازداد وضوحًا حين أيدته الأفكار القرآنية الأخرى التي تتحدث عن الأرض.

وقد ذكرنا ذلك سابقًا. ويحتمل أن يكون النقص في ارتفاع الجبال التي هي أطراف الأرض العليا في جميع أنحائها. كما يمكن أن يعبر الجمع عن حوافي القارات الكثيرة.

ويمكن القول أن كل هذه الوجوه التي ذكرها القدماء والمحدثون والعلماء الجيولوجيون والفلكيون قد احتملها النص القرآني وأعطى كل عصر حصة من هذه المعاني تساير زمانهم وما وصلت إليه علومهم وثقافتهم وما ذكره العلماء المحدثون ما هو إلا أحد المعاني التي كشفت عنها علومهم لتبين لنا عظمة القرآن الكريم (وقد فطن الصحابة السلف - رحمهم الله - إلى هذه الناحية فقد قال الإمام علي- رضي الله عنه- لعبد الله بن عباس حينما بعثه إلى الخوارج (ولا تخاصمهم بالقرآن، فإنه حمال ذو وجوه، ولكن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت