الصفحة 184 من 372

وقال الزمخشري [1] : وإرساء الجبال وإثباتها أوتادا لها حتى تستقر ويستقر عليها. وذكر ابن كثير [2] حديث عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لما خلق الله الأرض جعلت تميد فخلق الجبال فألقاها عليها فاستقرت فتعجبت الملائكة من خلق الجبال ... الخ) . [3] والى هذا ذهب أيضًا أبو السعود [4] قال: أرساها أي أثبتها وأثبت بها الأرض أن تميد بأهلها.

النظرة العلمية والتفسير العلمي لهذه الآية:

ذكر المفسرون العلميون أن معنى إرساء الجبال تثبيتها وقد مر ذلك سابقًا في قوله تعالى: (والجبال أوتادا) ، (ولكن الفعل أرسى يستعمل أيضًا كما تعلم في إرساء السفن. وأوضحت القياسات الجيوفيزيائية حديثًا أن للجبال جذورا صلبة مغمورة في منصهر لزج من مادة الرداء تحت القشرة ... لذا فالجبال ترسو تمامًا كما ترسو السفينة) [5]

ويقول العالم الجيولوجي (أ. فيشر) : أن البحث العلمي يدل على أن تحت القشرة الأرضية سائل مادته أثقل من مادتها. [6] فالجبال تطفوا فوق هذا السائل وتنطبق عليها قوانين الطفو لأرخميدس فكثافة ذلك المنصهر أعلى من كثافة صخور الجبل، كما نجد كثافة ماء البحر أعلى من متوسط كثافة السفينة (أي من خارج قسمة وزن السفينة على حجمها) وإلا لما طفت السفينة، فإلى هذا الحد من الدقة الشبه بين إرساء الجبال وإرساء السفن وصدق الله تعالى بقوله: (والجبال أرساها) وقوله سبحانه: (وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ) [7] أي له السفن العملاقة الجارية الطافية في البحر كالجبال الرواسي أي تطفو أيضًا بل وتتحرك. [8]

وهناك إشارة أخرى بالنسبة للجبال الرسوبية التي ثبت علميًا نشئتها أولًا في البحار قريبًا من الشواطئ والمصبات والأنهار التي تحمل الطمى والرمل وغيرها من الرواسب إلى البحار لترسب فيه طبقات بعضها فوق بعض، حتى إذا تراكمت وعظم سمكها عبر حقبة طويلة من الزمن، رفعها الله بقوى من تحتها ومن جانبيها لتصبح جبالًا شاطئية ذات طبقات رسوبية واضحة بعد رفعها، نتعرف عليها الآن

(1) الكشاف 4/ 1327.

(2) تفسير القرآن العظيم 4/ 470.

(3) حديث رقم 11805 في مسند أحمد بن حنبل. وفي جامع الترمذي حديث رقم 3291 جاء في مسند احمد (لما خلق الجبال جعلت تميد فخلق الجبال فعاد بها عليها فاستقرت) وفي صياغة الترمذي (فلما خلق الجبال فقال بها عليها فاستقرت) .

(4) إرشاد العقل السليم 9/ 102.

(5) المعارف الكونية بين العلم والدين 313.

(6) الإسلام في عصر العلم 293.

(7) الرحمن / 24.

(8) ينظر المعارف الكونية بين العلم والدين 314، مفهوم العلمي للجبال 44، هندسة النظام الكوني 166 - 167.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت